تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
أهل حمير على دين الحبرين ، فمن هنالك كان أصل اليهودية باليمن . قال الرياشي : كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة ، آمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة . وتقدم شعره في الدخان « 1 » .
كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ
فيما أرسلوا به من الشرائع ، التي من جملتها : البعث الذي أجمعوا عليه قاطبة ، أي : كل قوم من الأقوام المذكورين كذّبوا رسولهم
فَحَقَّ وَعِيدِ
أي : فوجب وحلّ عليهم وعيدى ، وهي كلمة العذاب . وفيه تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وتهديد لهم .
أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ
، استئناف مقرر لصحة البعث ، الذي حكيت أحوال المنكرين له من الأمم المهلكة . والعىّ بالأمر : العجز عنه ، يقال : عيى بالأمر : إذا لم يهتد لوجه عمله . والهمزة للإنكار ، والفاء : عطف على مقدر ، ينبئ عنه المقام ، كأنه قيل : أقصدنا الخلق الأول فعجزنا عنه حتى يتوهم عجزنا عن الإعادة ؟
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
أي : بل هم في لبس وخلط وشبهة ، قد لبس عليهم الشيطان وحيّرهم ، حيث سوّل لهم أن إحياء الموتى خارج عن العادة ، فتركوا لذلك الاستدلال الصحيح ، وهو : أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر . وهو معطوف على مقدر يدل عليه ما قبله ، كأنه قيل : هم غير منكرين لقدرتنا على الخلق الأول ، بل هم في خلط وشبهة من خلق مستأنف جديد . وتنكير « خلق » لتفخيم شأنه ، والإشعار بخروجه عن حدود العادة ، والإيذان بأنه حقيق بأن يبحث عنه ويهتم بمعرفته . الإشارة : قال القشيري : الإشارة في الآية إلى أنّ الغالب في كلّ زمان غلبة الهوى والطبيعة الحيوانية واستيلاء الحس على النّاس ، نفوسهم متمردة ، بعيدة من الحق ، قريبة من الباطل ، كلما جاء إليهم رسول كذّبوه ، وعلى ما جاء به قاتلوه ، فحقّ عليهم عذاب ربهم ، لمّا كفروا نعمه ، فما أعياه إهلاكهم . ه . قلت : وكذلك جرى في كل زمان ، كل من أمر النّاس بإخراجهم عن عوائدهم ، ومخالفة أهوائهم ، رفضوه وعادوه ، فقلّ بسبب ذلك المخلصون ، وكثر المخلطون ، فإذا قالوا : لا يمكن الإخراج عن العوائد ، قلنا : القدرة صالحة ، قال تعالى :
أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
، وهو إحياء القلب الميت ، فيجدّد إيمانه ، وتحيا روحه حياة سرمدية . وباللّه التوفيق . ثم إنّ عادته تعالى في التنزيل : أنه مهما ذكر دلائل قدرته ذكر بإثره شأن علمه ، أو بالعكس ، إشارة إلى إسناد كل المقدورات إليه تعالى ، ردا على الطبائعيين ؛ لأنّ الفاعل بالطبيعة لا يتوقف على العلم ، ولذلك قال تعالى :
هامش
( 1 ) راجع تفسير الآيات : 34 - 39 .