تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ
أي : ما يتكلم به وما يرمى به من فيه
إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ
؛ حافظ
عَتِيدٌ
؛ حاضر لازم ، أو معد مهيأ لكتابة ما أمر به من الخير والشر . وقال أبو أمامه عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « كاتب الحسنات عن يمين الرجل وكاتب السيئات عن يساره ، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات ، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا ، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات ، لعله يسبّح أو يستغفر » « 1 » . قال الحسن : إنّ الملكين يجتنبان العبد عند غائطه ، وعند جماعه ، ويكتبان عليه كل شئ ، حتى أنينه في مرضه . وقال عكرمة : لا يكتبان عليه إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر « 2 » . وعنه عليه السّلام : « ما من حافظين يرفعان إلى اللّه ما حفظا ، فيرى اللّه تعالى في أول الصحيفة خيرا وفي أخرها خيرا ، إلا قال للملائكة : اشهدوا أنى قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة » « 3 » . والحفظة أربعة ، اثنان بالليل ، واثنان بالنهار ، فإذا مات العبد قاموا على قبره يكبران ويهللان ويكتب ذلك للعبد المؤمن . ولمّا ذكر إنكارهم للبعث ، واحتج عليهم بعموم قدرته وعلمه ، أعلمهم أن ما أنكروه هم لا قوة بعد الموت ، ونبّه على اقتراب ذلك بأن عبّر عنه بلفظ الماضي فقال :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ . .
إلخ . وقال ابن عطية : هو عندي عطف على « إذ يتلقى » والتقدير : وإذ تجىء سكرة الموت ، يعنى فهو كقوله :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
الآية « 4 » ه . وحاصل الآية حينئذ : ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ظاهره وباطنه ، ونحن أقرب إليه في جميع أحواله ، في حياته ، ووقت مجىء سكرة الموت ، أي : شدته الذاهبة بالعقل ، ملتبسة
بِالْحَقِّ
أي : بحقيقة الأمر ، وجلاء الحال ، من سعادة الميت أو شقاوته ،
ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
أي : تنفر وتهرب وتميل عنه طبعا . والإشارة إلى الموت . والخطاب للإنسان في قوله :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ
على طريقة الالتفات .
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
نفخة البعث
ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
أي : وقت ذلك النفخ هو يوم الوعيد ، أي : يوم إنجاز الوعد ووقوع الوعيد . وتخصيص الوعيد بالذكر ؛ لتهويله ، ولذلك بدأ ببيان حال الكفرة بقوله :
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ
من النفوس البرة والفاجرة
مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
أي : ملكان ، أحدهما يسوقه إلى المحشر ، والآخر يشهد
هامش
( 1 ) أخرجه البغوي في التفسير ( 7 / 359 ) والبيهقي في الشعب ( الباب السابع والأربعون ، ح 7049 ) والطبراني في الكبير ( 8 / 225 ، ح 7787 ) وأيضا ( 8 / 295 - 296 ، ح 7971 ) وأبو نعيم في الحلية ( 6 / 124 ) من حديث أبي أمامة رضي اللّه عنه ، وقال الهيثمي في المجمع ( 10 / 208 ) : « رواه الطبراني بأسانيد ، ورجال أحدها وثقوا » . ( 2 ) عزاه السيوطي في الدر ( 6 / 119 ) لابن المنذر . ( 3 ) ذكره القرطبي ( 7 / 6366 ) عن أبي هريرة وأنس - رضى اللّه عنهما . ( 4 ) الآية 85 من سورة الواقعة .