تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
شأن ربنا لعظيم ، وإن ورائي أرضا ميسرة خمسمائة عام ، في عرض خمسمائة عام ، من ثلج يحطم بعضه بعضا ، لولا ذلك الثلج لاحترقت من نار جهنم . ه .
وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ
أي : ذي المجد والشرف على سائر الكتب ، أو : لأنه كلام مجيد ، من علم معانيه وعمل بما فيه مجد عند اللّه وعند النّاس . وجواب القسم محذوف ، أي : إنك لرسول نذير ، أو : لتبعثن ، بدليل قوله :
أَ إِذا مِتْنا . .
إلخ ، أو : إنا أنزلناه إليك لتنذر به فلم يؤمنوا ،
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ
أي : لأن جاءهم
مُنْذِرٌ مِنْهُمْ
؛ من جنسهم ، لا من جنس الملائكة ، أو : من جلدتهم ، وهو إنكار لتعجّبهم مما ليس بعجب ، وهو أن يخوفهم من غضب اللّه رجل منهم قد عرفوا عدالته وأمانته ، ومن كان كذلك لم يكن إلا ناصحا لقومه ، خائفا أن ينالهم مكروه وإذا علم أن مخوفا أظلهم لزمه أن ينذرهم ، فكيف بما هو غاية المخاوف ؟ أو إنكار لتعجّبهم مما أنذرهم به من البعث مع علمهم بقدرة اللّه تعالى على خلق السماوات والأرض وما بينهما ، وإقرارهم بالنشأة الأولى ، مع شهادة العقل بأنه لا بدّ من الجزاء ، وإلا كان إنشاء الخلق عبثا . ثم بيّن تعجبهم بقوله :
فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
أي : هذا الذي يقوله محمد من البعث بعد الموت شئ عجيب ، أو : كون محمد منذرا بالقرآن شئ يتعجب منه . ووضع « الكافرون » موضع الضمير للدلالة على أنهم في قولهم هذا مقدمون على كفر عظيم . ثم قالوا :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً
أي : أنبعث حين نموت ونصير ترابا كما يقوله هذا النّذير ؟
ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
أي : ذلك البعث بعد هذه الحالة رجوع مستبعد ، منكر ، بعيد من الوهم والعادة . فالعامل في « إذا » محذوف مفهوم من الكلام كما قدرنا . قال تعالى :
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ
، وهو ردّ لاستبعادهم ؛ فإنّ من عمّ علمه ولطفه حتى ينتهى إلى حيث علم ما تنقص الأرض من أجساد الموتى ، وتأكل من لحومهم وعظمهم ، كيف يستبعد رجعه إياهم أحياء كما كانوا ؟ ! عن النّبى صلّى اللّه عليه وسلم : « كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذّنب ، ومنه خلق ، وفيه يركّب » « 1 » وهو العصعص ، وقال في المصباح : العجب « 2 » - كفلس - من كلّ دابة : ما انضم عليه الورك من أصل الذّنب . ه . وهو عظم صغير قدر الحمصة ، لا تأكله الأرض ، كما لا تأكل أجساد الأنبياء والأولياء والشهداء . قال ابن عطية : حفظ ما تنقص الأرض إنما هو ليعود بعينه يوم القيامة ، وهذا هو الحق . وذهب بعض الأصوليين إلى أن الأجساد المبعوثة يجوز أن تكون غير هذه ، هذا عندي خلاف ظاهر كتاب اللّه ، ولو كانت غيرها كيف كانت تشهد الجلود والأيدي والأرجل على الكفرة ؟ إلى غير ذلك مما يقتضى أن أجساد الدنيا هي التي تعود . ه .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في ( الفتن ، باب ما بين النّفختين ح 2955 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه ، وأخرجه البخاري مطولا وبنحوه في ( التفسير - سورة الزمر ، بابوَنُفِخَ فِي الصُّورِ . .ح 4814 ) . ( 2 ) بسكون الجيم .