تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
أىّ قبيل هو ، فإنّ من الظن ما يجب اتباعه ؛ كالظن فيما لا قاطع فيه من العمليات ، وحسن الظن باللّه تعالى ، ومنه ما يحرم ، وهو ما يوجب نقصا بالإلهيات والنّبوات ، وحيث يخالفه قاطع ، وظن السوء بالمؤمنين ، ومنه ما يباح ، كأمور المعاش .
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
، تعليل للأمر بالاجتناب ، قال الزجاج : هو ظنّك بأهل الخير سوءا ، فأما أهل الفسق فلنا أن نظنّ بهم مثل الذي ظهر عليهم ، وقيل المعنى : اجتنبوا اجتنابا كثيرا من الظن ، وتحرّزوا منه ، إن بعض الظن إثم ، وأولى كثيره ، والإثم : الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب ، وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « إياكم والظن ، فإن الظنّ أكذب الحديث » « 1 » ، فالواجب ألّا يعتمد على مجرد الظن ، فيعمل به ، أو يتكلم بحسبه . قال ابن عطية : وما زال أولو العزم يحترسون من سوء الظن ، ويجتنبون ذرائعه . قال النّووى : واعلم أن سوء الظن حرام مثل القول ، فكما يحرم أن تحدّث غيرك بمساوئ إنسان ؛ يحرم أن تحدّث نفسك بذلك ، وتسىء الظن به ، والمراد : عقد القلب وحكمه على غيره بالسوء ، فأما الخواطر ، وحديث النّفس ، إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه ، فمعفوّ عنه باتفاق ؛ لأنه لا اختيار له في وقوعه ، ولا طريق له إلى الانفكاك عنه . ه . وقال في التمهيد : وقد ثبت عن النّبى صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « حرّم اللّه من المؤمن : دمه وماله وعرضه ، وألا يظنّ به إلا الخير » « 2 » . ه . ونقل أيضا أن عمر بن عبد العزيز كان إذا ذكر عنده رجل بفضل أو صلاح ، قال : كيف هو إذا ذكر عنده إخوانه ؟ فإن قالوا : ينتقص منهم ، وينال منهم ، قال عمر : ليس هو كما تقولون ، وإن قالوا : إنه يذكر منهم جميلا ، ويحسن الثناء عليهم ، قال : هو كما تقولون إن شاء اللّه . ه . وفي الحديث أيضا : « خصلتان ليس فوقهما شئ من الخير ، حسن الظنّ باللّه ، وحسن الظن بعباد اللّه . وخصلتان ليس فوقهما شئ من الشر ، سوء الظن باللّه ، وسوء الظن بعباد اللّه » .
وَلا تَجَسَّسُوا
؛ لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم ، يقال : تجسس الأمر : إذا تطلبه وبحث عنه ، تفعل من : الجسّ . وعن مجاهد : خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر اللّه . وقال سهل : لا تبحثوا عن طلب ما ستر اللّه على
هامش
( 1 ) أخرجه بطوله البخاري في ( الأدب ، بابيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّح 6066 ) ومسلم في ( البر والصلة ، باب تحريم الظن ، ح 2563 ) . ( 2 ) انظر التمهيد ( 20 / 157 ) ، وأخرج الطبراني في الكبير ( 110 / 37 ح 10966 ) عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الكعبة فقال : « لا إله إلا اللّه » ما أطيبك وأطيب ريحك وأعظم حرمتك ، والمؤمن أعظم حرمة منك ، إن اللّه عز وجل جعلك حراما ، وحرّم من المؤمن ماله ودمه وعرضه وأن يظن به ظنا سيئا » .