تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
واختار ابن عطية : أن المثل شامل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وللصحابة ، فإنّ النّبى صلّى اللّه عليه وسلم بعث وحده ، فهو الزرع ، حبّة واحدة ، ثم كثر المسلمون ، فهم كالشطء ، تقوّى بهم صلّى اللّه عليه وسلم .
لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
تعليل لما يعرب عنه الكلام من تشبيههم بالزرع في ذكائه واستحكامه ، أي : جعلهم كذلك ليغيظ بهم من كفر باللّه .
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
؛ استئناف مبيّن لما خصّهم به من الكرامة في الآخرة ، بعد بيان ما خصّهم به في الدنيا ، ويجوز أن يرجع لقوله : ( ليغيظ بهم . . . ) إلخ : أي : ليغيظ بهم وعدهم بالمغفرة والأجر العظيم ؛ لأن الكفار إذا سمعوا ما أعدّ لهم في الآخرة مع ما خصّهم في الدنيا من العزة والنّصر غاظهم ذلك أشد الغيظ ، و « من » في « منهم » للبيان ، كقوله :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
« 1 » ، أي : وعد اللّه الذين آمنوا من هؤلاء . الإشارة : هو الذي أرسل رسوله بالهدى : بيان الشرائع ، ودين الحق : بيان الحقائق ، فمن جمع بينهما من أمته ظهر دينه وطريقته ، وهذا هو الولىّ المحمدي ، أعنى : ظاهره شريعة ، وباطنه حقيقة ، وما وصف به سبحانه أصحاب الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم هو وصف الصوفية ، أهل التربية النّبوية ، خصوصا طريق الشاذلية ، حتى قال بعضهم : من حلف أن طريق الشاذلية عليها كانت بواطن الصحابة ما حنث . وقوله تعالى :
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً
قال الورتجبي : أي : يطلبون مزيد كشف في الذات والدنو والوصال والبقاء مع بقائه بلا عتاب ولا حجاب ، وهذا محل الرضوان الأكبر . ه . وقوله تعالى :
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ
أي : نورهم في وجوههم ، لتوجههم نحو الحق ، فإنّ من قرب من نور الحق ظهرت عليه أنوار المعرفة ، وجمالها وبهاؤها ، ولو كان زنجيا أو حبشيا ، وفي ذلك قيل :
وعلى العارفين أيضا بهاء * وعليهم من المحبّة نور
ويقال : السيما للعارفين ، والبهجة للمحبين ، فالسيما هي الطمأنينة ، والرّزانة ، والهيبة والوقار ، كل من رآهم بديهة هابهم ، ومن خالطهم معرفة أحبهم ، والبهجة : حسن السمت والهدى ، وغلبة الشوق ، والعشق ، واللهج بالذكر اللساني . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) من الآية 30 من سورة الحج .