تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
أضغاث الأحلام ، ويجوز أن يكون قسما ، أي : أقسم بالحق
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ
، وعلى الأول : جواب القسم محذوف ، أي : واللّه لتدخلن المسجد الحرام ، والجملة القسمية : استئناف بيانى ، كأن قائلا قال : ففيم صدقه ؟ فقال : ( لتدخلن المسجد إن شاء اللّه ) . وهو تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد . قال ثعلب : استثنى اللّه فيما يعلم ؛ ليستثنى الخلق فيما لا يعلمون . وقال في القوت : استثنى اللّه معلما لعباده ورادا لهم إلى مشيئته ، وهو أصدق القائلين ، وأعلم العالمين . ه . أو : للإشعار بأن بعضهم لا يدخلونه ، لموت ، أو : غيبة ، أو غير ذلك ، أو : هو حكاية لما قاله ملك الرّؤيا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أو لما قاله صلّى اللّه عليه وسلم لأصحابه ، حين قصّ عليهم ، أي : واللّه لتدخلنها
آمِنِينَ
من غائلة العدو ، فهو حال من فاعل « لتدخلن » والشرط معترض .
مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
أي : محلقا بعضكم ، ومقصرا آخرون ،
لا تَخافُونَ
بعد ذلك أبدا ، فهو حال أيضا ، أو استئناف ،
فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا
من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل ،
فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ
؛ فتح مكة
فَتْحاً قَرِيباً
وهو فتح خيبر ، لتستروح إليه قلوب المؤمنين ، إلى أن يتيسر الفتح الموعود . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : العارف الكامل لا يركن إلى شئ دون اللّه تعالى ، فلا يطمئن إلى وعد ، ولا يخاف من وعيد ، بل هو عبد بين يدي سيده ، ينظر ما يبرز من زمن عنصر قدرته ، فإن بشّر بشئ في النّوم أو اليقظة ، لا يركن إليه ، ولا يقف معه ؛ لأن غيب المشيئة غامض ، وإن خوّف بشئ في النّوم أو غيره ، لا يفزع ولا يجزع ؛ لأن الغنى باللّه والأنس به غيّبه عن كلّ شئ ، وفي اللّه خلف من كلّ تلف « ما ذا فقد من وجدك ؟ « 1 » » واللّه يتولى الصالحين ،
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . .
الآية « 2 » . قال في الإبريز « 3 » : الرؤيا المحزّنة إنما هي اختبار من اللّه للعبد ، هل يبقى مع ربه أو ينقطع عنه ، فإن كان العبد متعلقا به تعالى ، ورأى الرّؤيا المحزنة ، لم يلتفت إليها ، ولما يبال بها ؛ لعلمه بأنه منسوب إلى من بيده تصاريف الأمور ، وأنّ ما اختاره تعالى سبقت به المشيئة ، فلا يهوله أمر الرّؤيا ، ولا يلقى إليها بالا ، وهذه لا تضره بإذن اللّه تعالى : وإذا كان العبد غير متعلق بربه ، ورأى رؤيا محزنة ، جعلها نصب عينيه ، وعمّر بها باطنه ، وانقطع بها عن ربه ، ويقدّر أنها لا محالة نازلة به ، فهذا هو الذي تضره ؛ لأنّ من خاف من شئ سلّطه عليه . ه .
هامش
( 1 ) من مناجاة الشيخ ابن عطاء السكندرى . انظر تبويب الحكم للمتّقى الهندي ( ص 42 ) . ( 2 ) الآية 2 من سورة الطلاق . ( 3 ) لسيدي عبد العزيز الدبّاغ - رحمه اللّه تعالى .