تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ
عن كلّ ما سواه ، ويفتقر إليه كلّ ما عداه ،
وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
أي : إنه - تعالى - لا يأمر بذلك لحاجته إليه ؛ لأنه الغنىّ عن الحاجات ، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب ،
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا
أي : وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته ، وطاعة رسوله ، والإنفاق في سبيله
يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
، يخلف قوما خيرا منكم وأطوع ،
ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ
في الطاعة ، بل أطوع ، راغبين فيما يقرب إلى اللّه ورسوله ، وهم فارس ، وسئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن هؤلاء القوم - وكان سلمان إلى جنبه ، فضرب على فخذه ، فقال : « هذا وقومه ، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من فارس » « 1 » . قلت : صدق الصادق المصدوق ، فكم خرج منهم من جهابذة العلماء ، وأكابر الأولياء ، كالجنيد ، إمام الصوفية ، والغزالي ، حبر هذه الأمة ، وأضرابهما . وقيل : الملائكة ، وقيل : الأنصار ، وقيل : كندة ، وقيل : الروم ، والأول أشهر . الإشارة : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول ، أو خليفته ، وهو الداعي إلى اللّه على بصيرة العيان ، ولا تبطلوا أعمالكم ، برجوعكم عن السير ، بترك المجاهدة قبل المشاهدة . إنّ الذين كفروا بوجود خصوصية التربية ، وصدوا النّاس عنها ، ثم ماتوا على ذلك ، لن يستر اللّه مساوئهم ، ولا يغيّبهم عن شهود نفوسهم التي حجبتهم عن اللّه . فلا تهنوا : لا تضعفوا ، أيها المترفهون ، عن مجاهدة نفوسكم ، فينقطع سيركم ، وذلك بالرجوع إلى الدنيا ، ولا تدعوا إلى السلم والمصالحة بينكم وبين نفوسكم ، وأنتم الأعلون ، قد أشرفتم على الظفر بها ، واللّه معكم ؛ لقوله :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
« 2 » ، ولن ينقصكم شيئا من أعمالكم ، بل يريكم ثمرتها ، عاجلا وآجلا ، ولا يفترنّكم عن المجاهدة طول الأمل . إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ؛ أي : ساعة من نهار ، وإن تؤمنوا بكلّ ما وعد اللّه ، وتتقوا كلّ ما يشغل عن اللّه ، يؤتكم أجوركم عاجلا وآجلا ، ولا يسألكم الداعي إليه جميع أموالكم ، إنما يسألكم ما يخف عليكم ، تقدموه بين يدي نجواكم ، ولو سألكم جميع أموالكم لبخلتم ، ويخرج أضغانكم ، وهذا في حق عامة المريدين ، وأما الخاصة الأقوياء ، فلو سئلوا أرواحهم لبذلوها ، واستحقروها في جنب ما نالوا من الخصوصية ، وأما أموالهم فأهون عندهم من أن يبخلوا بشئ منها ، ويقال لعامة الطالبين للوصول :
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ . . .
الآية .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في ( التفسير - سورة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ح 3260 ، 3261 ) وقال « هذا حديث غريب » والحاكم ( 2 / 458 ) « وصححه ، وسكت عنه الذهبي » . والطبري في ( 26 / 66 - 67 ) وعبد الرّزاق في المصنف ( 11 / 66 ) والبغوي في التفسير ( 7 / 292 ) وفي شرح السنة ( 14 / 200 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه وزاد السيوطي في الدر ( 6 / 55 ) عزوه لعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، والطبراني في الأوسط ، ( ح 8838 ) والبيهقي في الدلائل ( 6 / 334 ) . ( 2 ) الآية 69 من سورة العنكبوت .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 380 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان