ثم ذكر اختباره لأهل الصدق ، فقال :
[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 31 إلى 32 ]
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ( 31 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ( 32 )
يقول الحق جل جلاله :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
أي : واللّه لنختبرنّكم بالأمر بالجهاد ، ونحوه من التكاليف الشاقة ، أي : نعاملكم معاملة المختبر ؛ ليكون أبلغ في إظهار العدل ،
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ
على مشاق الجهاد والتكاليف ، علما ظاهرا ، يتعلق به الجزاء بعد تعلق العلم به في الأزل ،
وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
أي : ونختبر أسراركم بإظهار ما فيها من خير أو شر ، بالنهوض أو التخلف ، وقيل : أراد بأخباركم : أعمالكم ، عبّر بالأخبار عن الأعمال على سبيل الكناية ؛ لأن الإخبار تابع لوجود المخبر عنه ، إن كان الخبر حسنا كان المخبر عنه - وهو العمل - حسنا ، وإن كان الخبر قبيحا فالمخبر عنه قبيح . ه .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا
الناس
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ
أي : عادوه
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى
بما شاهدوا من نعته في التوراة ، وبما ظهر على يديه من المعجزات ، ونزل من الآيات ، وهم بنوا قريظة والنّضير ، أو : المطعمون يوم بدر من رؤساء قريش ،
لَنْ يَضُرُّوا
بكفرهم وصدهم
اللَّهَ شَيْئاً
من الأشياء ، أو :
شيئا من الصد ، أو : لن يضروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بمشاقته ، وقد حذف المضاف ؛ لتعظيم شأنه وتعظيم مشاقته .
وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ
أي : مكائدهم التي نصبوها في إبطال دينه تعالى ، ومشاقة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، فلا يصلون بها إلى ما كانوا يبغون من الغوائل ، ولا يثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم .
الإشارة : قال القشيري : في الابتلاء والامتحان يتبين جواهر الرّجال ، فيظهر المخلص ، ويفتضح الممارق « 1 » ، وينكشف المنافق . ه . وكان الفضيل إذا قرأ هذه الآية بكى ، وقال : اللهم لا تبلنا ؛ فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا . ه . ويبغى أن يزيد : وإن بلوتنا فأيّدنا ، وباللّه التوفيق . إن الذين جحدوا وصدوا النّاس عن طريق الوصول ، وخرجوا عن منهاج السنة ، لن يضروا اللّه شيئا ؛ فإن للّه رجالا يقومون بالدعوة ، لا يضرهم من عاداهم ، حتى يأتي أمر اللّه ، وسيحبط أعمال الصادّين المعوّقين ، فلا ينهضون إلى اللّه نهوض الرّجال ، بشؤم انتقادهم . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) في القشيري : المماذق .