تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
معصية إلا تضرب الملائكة وجهه ودبره » « 1 » .
ذلِكَ
التوفى الهائل
بِأَنَّهُمُ
، بسبب أنهم
اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ
من الكفر والمعاصي ومعاونة الكفرة ،
وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ
من الطاعة والإيمان ونصر المؤمنين ،
فَأَحْبَطَ
لأجل ذلك
أَعْمالَهُمْ
التي عملوها حال الإيمان وبعد الارتداد ، من أعمال البر .

[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 29 إلى 30 ]

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ ( 29 ) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ( 30 )
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
، هم المنافقون الذين فصلت أحوالهم الشنيعة ،
أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ
؛ أحقادهم ، ف « أم » منقطعة ، وأ « ن » مخففة ، واسمها : ضمير الشأن ، أي : أظن المنافقون الذين في قلوبهم حقد وعداوة أنه لن يخرج اللّه حقادهم ، ولن يبرزها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، فيبقى أمورهم مستورة ؟ بل لا يكاد يدخل ذلك تحت الاحتمال .
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ
ودللناك عليهم بأمارات ، حتى تعرفهم بأعينهم ، معرفة مزاحمة للرؤية . والالتفات لنون العظمة لإبراز العناية بالإرادة ، وفي مسند أحمد ، عن ابن مسعود : خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال : « إن منكم منافقين ، فمن سميت فليقم ، ثم قال : قم يا فلان ، حتى سمى ستة وثلاثين » « 2 » انظر الطيبي .
فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ
؛ بعلامتهم التي نسمهم بها ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنه : ما خفى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعد هذه الآية شئ من المنافقين ؛ كان يعرفهم بسيماهم ، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين ، يشكرهم النّاس « 3 » ؛ فناموا ، فأصبح على وجه كلّ واحد منهم مكتوب : هذا منافق » « 4 » قال ابن زيد : قصد اللّه إظهارهم ، وأمرهم أن يخرجوا من المسجد ، فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله إلا اللّه ، فحقنت دمائهم ، ونكحوا ونكح منهم بها .
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ
أي : واللّه لتعرفنهم
فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
أي : مجراه وأسلوبه وإمالته عن الاعتدال ؛ لما فيه من التذويق والتشديق ، وقد كانت ألسنتهم حادة ، وقلوبهم خاربة ، كما قال تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ . . .
الآية « 5 » ، من في قلبه شئ لا بد أن يظهر على لسانه ، كما قيل : « ما كمن فيك ظهر على فيك » . وهذه الجمل كلها داخلة تحت « لو » معلقة بالمشيئة ، واللحن يطلق على وجهين : صواب وخطأ ، فالفعل من الصواب : لحن يلحن لحنا ،
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي ( 7 / 6257 ) بنحوه . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 5 / 273 ) والطبراني في الكبير ( 17 / 246 ح 687 ) . ( 3 ) في القرطبي : يشك فيهم النّاس . ( 4 ) على هامش النّسخة الأم ما يلي : « هذا غريب جدا ، بل باطل عن ابن عباس » . قلت : والخبر ذكره القرطبي في التفسير ( 7 / 6259 ) عن أنس . ( 5 ) الآية 402 من سورة البقرة .