تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
كفرح ، فهو لحن ، إذا فطن للشئ ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض » « 1 » أي : لقوته على تصريف الكلام . والفعل من الخطأ : لحن يلحن لحنا ، كجعل ، فهو لاحن إذا أخطأ ، والأصل فيه : إزالة الكلام عن جهته ، مأخوذ من : اللحن ، وهو ضد الإعراب ، وهو الذهاب عن الصواب في الكلام « 2 » .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ
فيجازيكم بحسب قصدكم ؛ إذ الأعمال بالنيات ، وهذا وعد للمؤمنين ، وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين ، أو : يعلم جميع أعمال العباد ، فيميز خيرها من شرها . الإشارة : إن الذين ارتدوا على أدبارهم ، أي : رجعوا عن صحبة المشايخ ، بعد ما ظهر لهم أسرار خصوصيتهم ؛ الشيطان سول لهم وأملى لهم ، وتقدم عن القشيري : أنه يتخلف عنهم يوم القيامة ، ولا يلحق بالمقربين ، ولو يشفع فيه ألف عارف ، بل من كمال المكر به أن يلقى شبهه في الآخرة على غيره ، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو ، فلا يشفع أحد فيه ؛ لظنهم أنه معهم ، فإذا ارتفعوا إلى عليين محيت صورته ، ورفع إلى مقام العامة ، انظر معناه في آل عمران « 3 » . وقال هنا : الذي طلع فجر قلبه وتلألأ نور التوحيد فيه ، ثم ارتد قبل طلوع نهار إيمانه ؛ انكسف شمس يومه ، وأظلم نهار عرفانه ، ودجا ليل شكّه ، وغابت نجوم عقله ، فحدّث عن ظلماتهم ولا حرج . ه . ولا سيما إذا تحزّب مع العامة في الإذاية ، وقال للذين كرهوا ما نزّل اللّه على أهل الخصوصية من الأسرار : سنطيعكم في بعض الأمر من إذايتهم ، واللّه يعلم إسرارهم ، وباقي الوعيد الذي في الآية ربما يشملهم . وقوله تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
أي : عداوة لأولياء اللّه أن لن يخرج اللّه أضغانهم ؟ بل يخرجها ويظهر وبالها ، ويفتضحون ولو بعد حين ، وقوله تعالى :
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
في قوة الخطاب ، ومفهوم الكلام ؛ لأن الأسرة تدلّ على السريرة ، وما خامر القلوب فعلى الوجوه يلوح ، وأنشدوا في المعنى :
لست « 4 » من ليس يدرى ما هوان من كرامه * إنّ للحبّ وللبغض على الوجه علامه
المؤمن ينظر بنور الفراسة ، والعارف ينظر بعين التحقيق ، والموحّد ينظر باللّه ، ولا يستتر عليه شئ . ه من القشيري .
هامش
( 1 ) بعض حديث أخرجه البخاري في ( الشهادات ، باب من أقام البينة بعد اليمين ح 2680 ) ومسلم في ( الأقضية ، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة ح 1713 ) . من حديث أم سلمة - رضي اللّه عنها . ( 2 ) انظر اللسان ( لحن 5 / 4013 - 4014 ) . ( 3 ) راجع إشارة الآية 90 من سورة آل عمران . ( 1 / 379 ) . ( 4 ) هكذا في الأصول ، وأظنه : لست ممن .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 376 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان