تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
ويستوحشون إذا أبطأ ، وكان المنافقون على العكس من ذلك ،
فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
في معنى الجهاد
مُحْكَمَةٌ
أي : مبيّنة غير متشابهة ، لا تحتمل وجها إلا وجوب الجهاد . وعن قتادة : كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة « 1 » ؛ لأن النّسخ لا يرد عليها ؛ لأن القتال نسخ ما كان قبل من الصلح والمهادنة ، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة . ه .
وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ
أي : أمر فيها بالجهاد
رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
؛ نفاق ، أي : رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها ،
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ
أي : تشخص أبصارهم جبنا وجزعا ؛ كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت . قال القشيري : كان المسلمون تضيق صدورهم لتأخر الوحي ، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحي بسرعة ، والمنافقون إذا ذكر القتال يكرهون ذلك ؛ لما كان يشق عليهم القتال ، فكانوا بذلك يفتضحون وينظرون إليه نظر المغشىّ عليه من الموت ؛ أي : بغاية الكراهة لذلك ،
فَأَوْلى لَهُمْ
تهديد ، أي : الوعيد لهم . ه . وقيل : المعنى : فويل لهم ، وهو أفعل ، من : الولي ، وهو القرب ، والمعنى : الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه ، ويقرب من ساحتهم ، وقيل : أصله : أويل ، فقلب ، فوزنه : أفلع ، قال الثعلبي : يقال لمن همّ بالعطب ثم أفلت : أولى لك ، أي : قاربت العطب . وقوله تعالى :
طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ
: استئناف ، أي : طاعة للّه وللرسول ، وقول معروف حسن خير لهم ، أو : يكون حكاية قول المنافقين ، أي : قالوا : أمرنا طاعة وقول معروف ، قالوه نفاقا ، فيكون خبرا عن مضمر ، وقيل : « أولى » : مبتدأ ، و « طاعة » : خبره ، وهذا أحسن ، وهو المشهور من استعمال « أولى » بمعنى : أحق وأصوب ، أي : فالطاعة والقول المعروف أولى لهم وأصوب .
فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ
أي : فإذا جدّ الأمر ولزمهم القتال
فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ
في الإيمان والطاعة
لَكانَ
الصدق
خَيْراً لَهُمْ
من كراهة الجهاد ، وقيل : جواب « إذا » وهو العامل فيها - محذوف ، أي : فإذا عزم الأمر خالفوا أو تخلفوا ، أو نافقوا ، أو كرهوا .
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ
أي : فلعلكّم إن أعرضتم عن دين اللّه وسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض ، بالتغاور والتناهب ، وقطع الأرحام ، بمقاتلة بعض الأقارب بعضا ، أو : فهل عسيتم إن توليتم أمور النّاس وتأمّرتم عليهم أن تفسدوا في الأرض ، تفاخرا على الملك ، وتهالكا على الدنيا ، فإن أحوالكم شاهدة بذلك من خراب الدين ، والحرص على الدنيا . قال في
هامش
( 1 ) أخرج قول قتادة ، الطبري ( 26 / 54 ) .