تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
بحق اليقين . ويقال : قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أنا أعملكم باللّه وأخشاكم له » فنزلت الآية « 1 » ، أي : أمر بالتواضع . وهنا سؤال : كيف قال : « فاعلم » ولم يقل صلّى اللّه عليه وسلم بعد : علمت ، كما قال إبراهيم حين قال له :
أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ
« 2 » ويجاب : بأن اللّه تعالى أخبر عنه بقوله :
آمَنَ الرَّسُولُ
« 3 » والإيمان هو العلم ، فإخبار الحق - تعالى - عنه أتم من إخباره عن نفسه بقوله : علمته . ويقال : إبراهيم عليه السّلام لما قال :
أَسْلَمْتُ *
؛ ابتلى ، ونبينا صلّى اللّه عليه وسلم لم يقل علمت ، فعوفي ، ويقال : فرق بن موسى ، لمّا احتاج إلى زيادة العلم أحيل على الخضر ، ونبينا صلّى اللّه عليه وسلم قال له :
قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
« 4 » فكم بين من أحيل في استزاده العلم على عبد ، وبين من أمر باستزادة العلم من الحق . ويقال : إنما أمره بقوله :
فَاعْلَمْ
بالانقطاع إليه من الحظوظ من الخلق ، ثم بالانقطاع منه إليه ، وإذا قال العبد هذه الكلمة على العادة ، والغفلة عن الحقيقة ، [ وهي نصف البيان ] « 5 » ؛ فليس لهذا القول كبير قيمة ، وهذا إذا تعجب من شئ فذكر هذه الكلمة ، فليس له قدر ، وإذا قاله مخلصا ذاكرا لمعناها ، متحققا بحقيقتها ، فإن قاله بنفسه فهو في وطن التفرقة ، وعندهم هذا من الشّرك الخفىّ ، وإن قاله بالحق فهو إخلاص ، والعبد أولا يعلم ربه بدليل وحجة ، فعلمه بنفسه ضروري ، وهو أصل الأصول ، وعليه ينبنى كلّ علم استدلالي ، ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان ، وزيادة الحجج ، ويتناقض علمه بنفسه لغلبة ذكر اللّه بقلبه عليه ، فإذا انتهى لحال المشاهدة ، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه ، صار علمه في تلك الحالة ضروريا ، ويقل إحساسه بنفسه ، حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلال ، وكأنه غافل عن نفسه ، أو ناس لنفسه ، ويقال : الذي في البحر غلب عليه ما يأخذه من الرّؤية عن ذكر نفسه ، فإذا ركب البحر فرّ من هذه الحالة ، فإذا غرق في البحر فلا إحساس له بشئ سوى ما هو مستغرق فيه مستهلك . ه . قلت : لا مدخل للحجج هنا ، وإنما هو أذواق وكشوفات ، فالصواب أن يقول : ثم تزداد قوة علمه ، بزيادة الكشف والذوق ، حتى يغيب عن وجوده ، بشهود معبوده ، فيتناقض علمه ، فيصير علمه باللّه ضروريا ، وعلمه بعدم وجوده ضروريا ، واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) نزول الآية في هذا لم أقف عليه ، أما الحديث فصحيح ، فقد ترجم البخاري في صحيحه ( كتاب الإيمان ، باب قول النّبى صلّى اللّه عليه وسلم « أنا أعلمكم باللّه » ح 20 ) وأورد حديث السيدة عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا أمرهم من الأعمال بما يطيقون ، قالا : إنا لسنا كهيئتك يا رسول اللّه ، إن اللّه قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فيغضب صلّى اللّه عليه وسلم ، حتى يعرف الغضب في وجهه ، ثم يقول : « إن أتقاكم وأعلمكم باللّه أنا » . وأخرج البخاري أيضا في ( الأدب ، باب من لم يواجه النّاس بالعتاب ح 6101 ) عن السيدة عائشة - رضى عنها - قالت : صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شيئا ، فترخص فيه ، فتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النّبى صلّى اللّه عليه وسلم ، فخطب فحمد اللّه ، ثم قال : « ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ، فاللّه إني لأعلمهم باللّه عز وجل ، وأشدهم له خشية » . ( 2 ) من الآية 131 من سورة البقرة . ( 3 ) من الآية 285 سورة البقرة . ( 4 ) من الآية 114 من سورة طه . ( 5 ) في القشيري : [ أي كان بصفة النّسيان ] وهو أنسب .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 369 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان