تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
وَلَهُمْ فِيها
مع ما ذكر من فنون الأنعام
مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
أي : صنف من كلّ الثمرات .
وَ
لهم
مَغْفِرَةٌ
عظيمة
مِنْ رَبِّهِمْ
أي : كائنة من ربهم ، فهو متعلق بمحذوف ، صفة لمغفرة ، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية ، أي : مغفرة عظيمة من ربهم . وعبّر بعنوان المغفرة دون الرّحمة ؛ إشعارا بأن الميل إلى نعيم الأشباح نقص في الدارين يستوجب المغفرة . أيكون هذا
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ
؟ أو : مثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النّار ؟ وهو كلام في صورة الإثبات ، ومعناه : النفي ، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار ، ودخوله في حيّزه ، وهو قوله :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
« 1 » ، وفائدة حذف حرف الإنكار : زيادة تصوير لمكابرة من يسوّى بين المتمسك بالبيّنة والتابع لهواه ، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة ، التي يجرى فيها تلك الأنهار ، وبين النّار ، التي يسقى أهلها الحميم الحار ، المشار إليه بقوله :
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً
؛ حارا في النّهاية ، إذا دنا منهم شوى وجوههم ، ووقعت فروة رؤوسهم
فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ
؛ مصارينهم ، التي هي مكان تلك الأشربة . نسأل اللّه العافية . الإشارة : مثل جنة المعارف ، التي وعدها المتقون كلّ ما يشغل عن اللّه ، فيها أنهار من ماء علوم الحقيقة ، غير متغير صفاؤها ، ولا متكدرة أنوارها ، وأنهار من لبن علوم الشريعة المؤيّدة بالكتاب والسنة ، لم تتغير حلاوة معاملتها ، ولا لذة مناجاتها ، وأنهار من خمرة الشهود ، لذة للشاربين لها ، تذهل حلاوتها العقول ، وتفوت عن مدارك النقول ، وأنهار من عسل حلاوة المكالمة والمساررة والمناجاة ، صافيات الأوقات ، محفوظة من المكدرات ، ولهم فيها من طرف الحكم ، وفواكه العلوم ، ما لا تحصيه الطروس ، ولا تدركه محافل الدروس . قال القشيري : ( مثل الجنة ) ، أي : صفتها كذا ، وللأولياء اليوم ، لهم شراب الوفاء ، ثم شراب الصفاء ، ثم شراب الولاء ، ثم شراب في حال اللقاء ، ولكلّ من هذه الأشربة عمل ، ولصاحبه سكر وصحو ، فمن تحسى شراب الوفاء لم ينظر إلى أحد من الخلق في أيام غيبته عن إحساسه ، وأنشدوا :
وما سرّ صدري منذ شطّت بك النّوى * أنيس ولا كأس ولا متطرف « 2 »
هامش
( 1 ) الآية 14 من سورة محمد . ( 2 ) ورد :وما سر قلبي منذ شط به النّوى * نعيم ولا كأس ولا متصرفونسب إلى عبد اللّه بن أحمد بن مصروف . انظر يتيمة الدهر 3 / 108 .