تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
قلت : ( كأيّن ) : كلمة مركبة من الكاف و « أىّ » ، بمعنى كم الخبرية ، ومحلها : الرفع بالابتداء ، وقوله : ( هي أشد ) : نعت لقرية ، و ( أهلكناهم ) : خبر ، وحذف المضاف ، أي : أهل قرية ، بدليل « أهلكناهم » . يقول الحق جل جلاله :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ
أي : كثير من أهل قرية
هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ
؛ مكة ،
الَّتِي أَخْرَجَتْكَ
أي : تسببوا في خروجك ، أي : وكم من قوم هم أشدّ قوة من قومك الذين أخرجوك ،
أَهْلَكْناهُمْ
بأنواع العذاب ،
فَلا ناصِرَ لَهُمْ
فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم ، فأنتم يا معشر قريش أهون منهم ، وأولى بنزول ما حجل بهم .
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
أي : حجة واضحة ، وبرهان قاطع ، وهو القرآن المعجز ، وسائر المعجزات ، يعنى : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ،
كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
، وهم أهل مكة ، زين الشيطان شركهم وعداوتهم للّه ولرسول صلّى اللّه عليه وسلم ،
وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
الزائغة ، وانهمكوا في فنون الضلالات ، من غير أن يكون لهم شبهة توهم صحة ما هم عليه ، فضلا عن حجة تدل عليها . وقيل : المراد بمن كان على بينة : المؤمنون فقط ، المتمسكون بأدلة الدين . قال أبو السعود : وجعلها عبارة عن النّبى عليه السّلام وعن المؤمنين ، لا يساعده النّظم الكريم ، على أن الموازاة بينه صلّى اللّه عليه وسلم ، وبين من زيّن له سوء عمله مما يأباه منصبه الجليل . والتقدير : أليس الأمر كما ذكر ؟ فمن كان مستقرا على حجة ظاهرة ، وبرهان نيّر من مالك أمره ومربّيه ، وهو القرآن ، وسائر الحجج العقلية ،
كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
من الشرك وسائر المعاصي ، مع كونه في نفسه أقبح القبائح . ه . الإشارة : في الآية تهديد لمن يؤذى أولياء اللّه ، ويخرجهم من مواطنهم بالهلاك العاجل أو الآجل . وقوله تعالى :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
تقدم في سورة هود الكلام عليها « 1 » . وقال القشيري هنا ، في تفسير البينة : هي الضياء والحجة والاستبصار بواضح المحجة ، فالعلماء في ضياء برهانهم ، والعارفون في ضياء بيانهم ، فهؤلاء بأحكام أدلة الأصول يبصرون ، وهؤلاء بحكم الإلهام والوصول يستبصرون . ه . ثم عرّف بالجنة ، التي تقدمت في قوله :
عَرَّفَها لَهُمْ
، فقال :
هامش
( 1 ) راجع إشارة الآية 17 من سورة هود .