تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
الإشارة : تفكر الاعتبار يكون في أربعة ، الأول : في سرعة ذهاب الدنيا وانقراضها ، كأضغاث أحلام ، وكيف غرّت من انتشب بها ، وأخذته في شبكتها ، حتى قدم على اللّه بلا زاد ، وكيف دمّر اللّه على أهل الطغيان ، واستأصل شأفتهم ، فينتج ذلك التشمير والتأهب ليوم الجزاء . الثاني : في دوام دار البقاء ، ودوام نعيمها ، فينتهز الفرصة في العمل الصالح . الثالث : في النّعم التي أنعم اللّه بها على عباده ، الدنيوية والأخروية ، الحسية والمعنوية ، قال تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
« 1 » فينتج ذلك الشكر ، لتدوم عليه . الرابع : في نصب هذه العوالم ، على ما هي عليه من الإبداع والإتقان ، فيثمر ذلك معرفة الصانع ، وباهر قدرته وحكمته . وقوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا . . .
إلخ ، قال القشيري : المولى : المحب ، فهو محب الذين آمنوا ، والكافرين لا يحبهم ، ويصح أن يقال : أرجى آية في القرآن هذه الآية ، لم يقل مولى الزهّاد والعباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد ؛ بل قال :
مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا
، والمؤمن وإن كان عاصيا فهو من جملتهم . ه - والمحبة تتفاوت بقدر زيادة الإيمان والإيقان حتى يصير محبوبا مقربا . قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ
، وكذلك الغافل ، فالأنعام تأكل بلا تمييز ، من أي موضع وجدت ، كذلك الجاهل ، لا تمييز له من الحلال أو من الحرام ، والأنعام ليس لها وقت لأكلها ، بل تأكل في كل وقت ، وكذلك الغافل والكافر . فقد ورد « أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء ، والمؤمن يجتزئ بما تيسر » « 2 » ، كما في الخبر : « ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن » « 3 » . والأنعام تأكل على الغفلة ، فمن كان في أكله ناسيا لربه ، فأكله كأكل الأنعام . انظر القشيري . ولما أمرهم بالنظر فلم يفعلوا ، هددهم بالهلاك ، فقال :

[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 13 إلى 14 ]

وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ ( 13 ) أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ( 14 )
هامش
( 1 ) من الآية 34 من سورة إبراهيم . ( 2 ) ورد بلفظ « إن المؤمن يأكل في معىّ واحد ، وإن الكافر يأكل في سبعة أمعاء » ، الحديث أخرجه البخاري في ( الأطعمة ، باب المؤمن يأكل في معي واحد ، ح 5393 ) ومسلم في ( الأشربة باب المؤمن يأكل في معي واحد رقم 2061 ، ح 184 ) من حديث ابن عمر رضي اللّه عنه . ( 3 ) بعض حديث أخرجه الترمذي في ( الزهد ، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل ، ح 2380 ) وقال : « حديث صحيح » وابن ماجة في ( الأطعمة ، باب الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع ، ح 3349 ) والنّسائى في الكبرى ( آداب الأكل ، باب ذكر القدر الذي يستحب للإنسان من الأكل ح 6768 ) والحاكم ( 4 / 121 ) « وصحّحه الذهبي » من حديث مقدام بن معدى كرب .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 361 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان