تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
ثم حمل فقاتل ، فقتل عددا كثيرا ، ثم رجع إلى مصافه ، فتكالب عليه العدو ، فحمل ثالثة ، وأنشأ يقول :
يا لعبة الخلد قفى ثمّ اسمعي * مالك قاتلنا فكفّى وارجعي
ثمّ ارجعي إلى الجنان وأسرعى * لا تطمعى لا تطمعى لا تطمعى
فقاتل رضي اللّه عنه حتى قتل - رحمه اللّه . ه « 1 » . قوله تعالى :
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ
، فيه ترغيب وتنشيط لأهل الوعظ والتذكير ، الداعين إلى اللّه ، الذين يسعون في إظهار الدين ، وإرشاد عباد اللّه إلى محبة اللّه وطاعته . وفي الحديث عنه - صلّى اللّه عليه وسلم : « والذي نفس محمد بيده ، لئن شئتم لأقسمن لكم ، إن أحب عباد اللّه إلى اللّه الذين يحببون اللّه إلى عباده ، ويحببون عباد اللّه إلى اللّه ، ويمشون في الأرض بالنصيحة » . وقال أيضا : « الخلق عيال اللّه ، وأحب الخلق إلى اللّه أنفعهم لعياله » « 2 » وأعظم النّفع : إرشادهم إلى اللّه ، الذي هو سبب سعادتهم السرمدية . وقال الورتجبي : نصرة العبد للّه : أن يجاهد نفسه وهواه وشيطانه ، فإنهم أعداؤه ، فإذا خاصمها يقويه اللّه وينصره عليهم ، بأن يدفع شرهم عنه ، ويجعله مستقيما في طاعة اللّه ، ويجازيه بكشف جماله ، حتى يثبت في مقام العبودية ، وانكشاف أنوار الرّبوبية . ه . قال القشيري : ونصرة اللّه للعبد بإعلاء كلمته ، وقمع أعدائه . ثم قال في قوله تعالى :
وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ
هو إدامة التوفيق ، لئلا ينهزم من صولة أعداء الدين ، ولا يضعف قلبه في معاداتهم ، ولا ينكسر باطنه ثقة باللّه في إعزاز دينه . ه . ثم ذكر تعالى أضداد الداعين إلى اللّه ، الناصرين لدينه ، وهم المنتقدون عليهم ، فقال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ
أي : خيبة لهم ،
وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
، فلا يتوصلون بها إلى معرفته ، لكونها معلولة . ثم أمر بالتفكر والنّظر ؛ لأنه أقرب الطرق إلى التخلص من غوائل الأعداء ، فقال :

[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 10 إلى 12 ]

أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها ( 10 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ( 11 ) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ( 12 )
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية ( 10 / 165 - 166 ) . ( 2 ) أخرجه البيهقي في الشعب ( ح 7445 ) والطبراني في الكبير ( ح 10033 ) وأبو يعلى في مسنده ( 6 / رقم 3315 و 3370 ) من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه ، وأخرجه البيهقي في الشعب ( ح 7448 ) وأبو نعيم في الحلية ( 2 / 102 ) من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه .