تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
وقيل : هم اثنا عشر نبيا ، أرسلوا إلى بني إسرائيل ، فعصوهم ، فأوحى اللّه إلى الأنبياء : إني مرسل عذابي على عصاة بني إسرائيل ، فشقّ عليهم ، فأوحى اللّه إليهم : أن اختاروا لأنفسكم ، إن شئتم أنزلت بكم العذاب ، وأنجيت بني إسرائيل ، وإن شئتم أنجبتكم وأنزلت ببني إسرائيل ، فتشاوروا بينهم ، فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجى بني إسرائيل ، فسلّط عليهم ملوك الأرض ، فمنهم من نشر بالمناشير ، ومنهم من سلخ جلدة رأسه ووجهه ، ومنهم من رفع على الخشب ، ومنهم من أحرق بالنار . نسأل اللّه العافية ، فإنهم أقوياء ونحن ضعفاء . وقيل : « من » للتبيين ، كقولك : اشتريت ثيابا من الخز ، فكلهم أولو العزم ، وقيل : إلا يونس ، لقوله :
وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ
« 1 » وآدم لقوله :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
« 2 » . ثم قال تعالى :
وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ
أي : لكفار مكة نزول العذاب ، فإنه نازل بهم ،
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ
من العذاب
لَمْ يَلْبَثُوا
في الدنيا
إِلَّا ساعَةً
يسيرة
مِنْ نَهارٍ
لما يشاهدونه من شدة العذاب وطول مدته . قال الثعالبي : وإذا علمت أيها الأخ أن الدنيا أضغاث أحلام ، كان من الحزم اشتغالك الآن بتحصيل الزاد للمعاد ، وحفظ الحواس ، ومراعاة الأنفاس ، ومراقبة مولاك ، فاتخذه صاحبا ، ودع النّاس جانبا ، ثم نقل عن الغزالي ما يهيج النّفس إلى النّهوض إلى اللّه ، والفرار مما سواه ، فانظره . هذا
بَلاغٌ
أي : هذا الذي وعظتم به كفاية في الموعظة ، أو تبليغ من الرّسول ، أو منى إليك ، ومنك إلى العالمين .
فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ
أي : ما يهلك إلا الخارجون عن هذا الاتعاظ ، أو عن هذه المواعظ ، أو عن الطاعة ، أو : فلا يهلك مع هذه المواعظ البالغة ، والأدلة القاطعة إلا من هلك عن بينة ، أو : فلا يهلك مع رحمة اللّه وتفضله إلا الهالكون ، ونظير ما ختم به هنا ما ختم به سورة الأنبياء :
إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ
الآية « 3 » . فائدة : قال ابن عباس : إذا عسر على المرأة ولدها ، فليكتب هاتين الآتين الكريمتين في صحيفة ، ثم تغسل وجهها منها ، وتسقى منها : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، لا إله إلا اللّه ، العظيم الحليم ، سبحان اللّه رب السماوات والأرض ، ورب العرش العظيم ، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ،
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ
. صدق اللّه العظيم . ه .
هامش
( 1 ) الآية 48 من سورة القلم . ( 2 ) الآية 115 من سورة طه . ( 3 ) الآية 106 من سورة الأنبياء .