تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
خاب وخسر ، والاستجابة أقسام ، قال القشيري : فمستجيب بنفسه ، ومستجيب بقلبه ، ومستجيب بروحه ، ومستجيب بسرّه ، ومن توقف عند دعاء الداعي إليه ، ولم يبادر إلى الاستجابة هجر فيما كان يخاطب به . ه . قلت : المستجيب بنفسه هو المستجيب بالقيام بوظائف الإسلام ، والمستجيب بقلبه القائم بوظائف الإيمان ، والمستجيب بروحه القائم بوظائف الإحسان ، والمستجيب بسره هو المتمكن من دوام الشهود والعيان ، وقول : هجر فيما يخاطب به ، أي : كان يخاطب بملاحظة الإحسان ، فإذا لم يبادر قيد بسلاسل الامتحان . واللّه تعالى أعلم . ثم برهن على قوله ، فليس بمعجزه في الأرض ، فقال :

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 33 إلى 34 ]

أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 33 ) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 34 ) قلت :
وَلَمْ يَعْيَ
: حال من فاعل « خلق » ، يقال : عى ، كرضى ، وعى بالإدغام ، وهو أكثر . قاله في الصحاح . وفي القاموس : عىّ بالأمر وعيى كرضى ، وتعايا واستعيا وتعيّا : لم يهتد لوجه مراده ، أو عجز عنه ولم يطق إحكامه . ه . و
بِقادِرٍ
: خبر « أن » ، ودخلت الباء لاشتمال النّفى الذي في صدر الآية على « أنّ » وما في حيزّها ، قال الزجاج : لو قلت : ما ظنت أنّ زيدا بقائم ، جاز . يقول الحق جل جلاله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
أي : ألم يتفكروا ولم يعلموا علما جازما
أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
، ابتداء من غير مثال يحتويه ، ولا قانون يحتذيه ،
وَ
الحال أنه
لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ
أي : لم يتعب ولم ينصب بذلك أصلا ، ولم يعجز عنه ، أليس من فعل ذلك
بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى
: جواب النّفى ، أي : بلى هو قادر على ذلك ،
إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تقرير للقدرة على وجه عام ، ليكون كالبرهان على المقصود . ثم ذكر عقاب من أنكر البعث المبرهن عليه ، فقال :
وَ
اذكر
يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ
فيقال لهم :
أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ
، فالإشارة إلى ما يشاهدونه من فظيع العذاب ، وفيه تهكم بهم ، وتوبيخ لهم ، على استهزائهم بوعد اللّه تعالى ووعيده ، ونفيه بقولهم : « وما نحن بمعذبين » ،
قالُوا
في جواب الملائكة :
بَلى