تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
لا يُخْرَجُونَ مِنْها
أي : من النّار ، والالتفات إلى الغيبة للإيذان بإسقاطهم عن رتبة الخطاب ، استهانة بهم . وقرأ الأخوان بالخطاب « 1 » .
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
أي : لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم ، أي : يرضوه بعمل صالح ؛ لفوات إبانه ، وإن طلبوا الرّجوع لم يقبل منهم .
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ
خاصة ،
رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ
، فلا يستحق الحمد أحد سواه ، أي : فاحمدوا اللّه الذي هو ربكم ورب كلّ شئ ، فإن مثل هذه الرّبوبية العامة ، توجب الحمد والثناء على كلّ مربوب ، وتكرير الرّب للتأكيد والإيذان بأن ربوبيته تعالى لكلّ منهما بطريق الأصالة .
وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : وكبّروه ، فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته في السماوات والأرض ، وإظهارهما في موضع الإضمار لتفخيم شأن الكبرياء ،
وَهُوَ الْعَزِيزُ
الذي لا يغلب ،
الْحَكِيمُ
في كلّ ما قضى وقدّر ، فاحمدوه وكبّروه ، وأطيعوه ، فصاحب هذه الصفات العظام مستحق لذلك . الإشارة : وقيل اليوم ننساكم من شهود قربى ، كما نسيتم لقاء يومكم هذا ، فلو ذكرتمونى على الدوام لقربتكم على الدوام ، ولو ذكرتمونى على الانفراد لأشهدتكم ذاتي على التماد ، ولكنكم اتخذتم آيات اللّه الدالة على وجودي من الكائنات ، والدالة على شهودي من الأولياء ، هزوا ، وغرتكم الحياة الدنيا ، فاليوم لا يخرجون من غم الحجاب ، ولا يمنعون من انسداله ، ولا هم يرضون ربهم ، فيرضى عنهم ، فللّه الحمد على غناه عن الكل ، وله الكبرياء في السماوات والأرض ، أي : رداء الكبرياء منشور على أسرار ذاته في السماوات والأرض ، وهو ما ظهر من حسها ، كما هو منشور على وجهه في جنة عدن ، كما في الحديث . وقال الورتجبي : نفى الحق الكبرياء عن الحدثان ؛ لأنه هو المستحق للكبرياء ، وكبرياؤه ظاهر في كلّ ذرة ، من العرش إلى الثرى ، إذ هي كلها مستغرقة مقهورة في أنوار كبريائه ، يعز بعزه الأولياء ، ويقهر بقهره الأعداء ، حكيم في إبداع الخلق وإلزامهم عبوديته ، التي هي شرائعه المحكمة بحكمه ، وقال سهل رضي اللّه عنه : وله الكبرياء : العلو والقدرة والعظمة ، والحول والقوة في جميع الملك ، فمن اعتصم به أيّده بحوله وقوته ، ومن اعتمد على نفسه وكله اللّه إليها . ه . وباللّه التوفيق ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . * * *
هامش
( 1 ) قرأ حمزة والكسائي : « لا تخرجون » بفتح الياء وضم الرّاء . وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الرّاء . انظر الإتحاف ( 2 / 468 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 321 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان