تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
قلت : ( ويوم ) : منصوب بيخسر ، و « يومئذ » بدل منه ، و « كل أمة تدعى » : مبتدأ وخبر ، ومن نصب « 1 » فبدل من « كل أمة » ، ( والساعة لا ريب فيها ) ؛ من رفعها فمبتدأ « 2 » ، ومن نصبها فعطف على ( وعد اللّه ) . يقول الحق جل جلاله :
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ
في الدنيا
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
عند انقضاء أعماركم ، لا كما تزعمون من أنكم تحيون وتموتون بحكم الدهر ،
ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ
بعد الموت
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
للجزاء ،
لا رَيْبَ فِيهِ
أي : في جمعكم ؛ فإنّ من قدر على البدء قدر على الإعادة ، والحكمة اقتضت الجمع للجزاء لا محالة ، وتأخيره ليوم معلوم ، والرّدّ لأبائهم كما اقترحوا ، حيث كان مزاحما للحكمة التشريعية ، امتنع إيقاعه لرفع الإيمان بالغيب حينئذ ،
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
قدرة اللّه على البعث ، وحكمة إمهاله ، لإعراضهم عن التفكر بالانهماك في الغفلة ، وهو استدراك من قوله : ( لا ريب ) ، إما من تمام الكلام المأمور به ، أو مستأنف من جهته تعالى ، تحقيقا للحق ، وتنبيها على أن ارتيابهم إنما هو لجهلهم وتقصيرهم في التفكر والنّظر ، لا لأن فيه شائبة ريب ما .
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : له التصرف فيهما وفيما بينهما ، وهو بيان لاختصاص الملك المطلق باللّه ، إثر بيان تصرفه تعالى في النّاس بالإحياء والإماتة ، والبعث والجمع والجزاء ، وكأنه دليل لما قبله ،
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ
؛ الداخلون في الباطل ، وهو الكفر ،
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ
من الأمم المجموعة
جاثِيَةً
؛ باركة على الرّكب ، مستوفزة من هول ذلك اليوم ، يقال : جثا فلان يجثو : إذا جلس على ركبتيه ، قال سلمان رضي اللّه عنه : في القيامة ساعة هي عشر سنين ، يخرّ النّاس فيها جثاة على ركبهم ، حتى إن إبراهيم ينادى : نفسي نفسي « 3 » . ه . وروى : أن جهنم حين يؤمر بها أن تساق إلى الموقف ، تنفلت من أيدي الزبانية ، حتى تهم أن تأتى على أهل الموقف جميعا ، وتزفر زفرة تذهب بحاسة الآذان ، فيجثوا الكلّ على الرّكب ، حتى المرسلين ، وكلّ واحد يقول : نفسي نفسي ، لا أسألك اليوم غيرها ، ونبينا عليه الصلاة والسّلام يقول : « أمتي أمتي » . نقله الغزالي ، وعن ابن عباس : جاثية : مجتمعة ، وقيل : جماعات ، من : الجثوة ، وهي الجماعة .
كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا
؛ صحيفة أعمالها ، والمراد الجنس ، أي : صحائف أعمالها ،
الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
في الدنيا ، ثم يقال لهم :
هذا كِتابُنا
، أضيف الكتاب إليهم أولا ؛ لملابسته إياهم ، لأن أعمالهم مثبتة فيه ، وإلى اللّه ثانيا ؛ لأنه مالكه ، والآمر للملائكة بكتبه ، وأضيف لنون العظمة تفخيما لشأنه ، وتهويلا
هامش
( 1 ) قرأ يعقوب بنصب « كل » وقرأ الباقون برفعها . ( 2 ) قرأ حمزة « والساعة » بالنصب ، وقرأ الباقون بالرفع . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 7 / 246 ) والقرطبي ( 7 / 6180 ) .