تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
لك الدهر طوع ، والأنام عبيد * فعش ، كل يوم من أيامك « 1 » عيد .
وطريق السير في هذا أن يساس نفسه شيئا فشيئا ، يمنعها من المكروهات ، ثم من المباحات شيئا فشيئا ، حتى تستأنس ، يترك شهوة ثم أخرى ، وهكذا ، وأما لو منعها الكلّ دفعة واحدة فربما تمل وتسقط ، وقد قال عليه الصلاة والسّلام : « لا يكن أحدكم كالمنبت ، لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى » « 2 » . وإلى هذا أشار في المباحث ، حيث قال :
واحتل على النّفس فرّب حيله * أنفع في النّصرة من قبيله
وأعظم الحظوظ حب الجاه والتقدم ، فلا يسامحها المريد في شئ من ذلك قط ، ولينزل بها إلى الخمول والسفليات ، وأما شهوة البطن والفرج ؛ فما تشوفت إليه النّفس من ذلك فليمنعها منها كليا ، وما أتاها من غير حرص ولا تشوف فليأخذ منه قدر الحاجة ، مع الشكر عليه ، هكذا يسير حتى يتحقق وصوله ، ويتمكن من معرفة الحق ، وحينئذ فلا كلام معه ، كما تقدم ، ولا بد من صحبة شيخ عارف كامل ، يلقيه زمام نفسه ، فيحمله بهمته ، وإلا فلا طاقة على مجاهدتها أصلا ، وجرّب ففي التجريب علم الحقائق . قال القشيري : من لم يسلك سبيل الاتباع ، ولم يستوف أحكام الرّياضة ، ولم ينسلخ عن هواه بالكلية ، ولم يؤدبه إمام مقتدى به ، فهو ينحرف في كلّ وهدة ، ويهيم في كلّ ضلالة ، ويضلّ في كلّ فجّ ، خسرانه أكثر من ربحه ، ونقصانه أوفر من رجحانه ، أولئك في ضلال بعيد ، زمامهم بيد هواهم ، أولئك أهل المكر ، استدرجوا وما يشعرون . ه . وفي الحكم : « لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك ، وإنما يخاف من غلبة الهوى عليك » « 3 » . فمن غلبه الهوى غلبه الوجود بأسره ، وتصرف فيه ، أحب أم كره ، ومن غلب هواه غلب الوجود بأسره ، وتصرف فيه بهمته كيف شاء . حكى عن أبي عمران الواسطي ، قال : انكسرت بنا السفينة ، فبقيت أنا وامرأتي على ألواح ، وقد ولدت في تلك الليلة صبية ، فصاحت بي ، وقالت : يقتلني العطش ، فقلت : هو ذا يرى حالنا ، فرفعت رأسي ، فإذا رجل جالس في يده سلسلة من ذهب ، فيها كوز من ياقوت أحمر ، فقال : هاك اشربا ، فأخذت الكوز ، فشربنا ، فإذا هو أطيب من
هامش
( 1 ) هكذا ، وأرى - أنها « زمانك » ليستقيم الوزن . ( 2 ) أخرجه البيهقي السنن ( 3 / 18 ) والبزار ( 74 ) والحاكم في معرفة علوم الحديث ( ص 96 ) والشهاب القضاعي في مسنده ( ح 1147 ، وح 1148 ) عن جابر مرفوعا ، بلفظ « إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، فإنّ المنبت . . » إلخ الحديث ، وزاد القضاعي بعد « فأوغل فيه برفق » : « ولا تبغض إلى نفسك عبادة اللّه » وأخرجه بنحوه البيهقي في الشعب ( ح 3885 ) عن السيدة عائشة رضي اللّه عنها ، و ( ح 3886 ) عن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه . وانظر الشذرة في الأحاديث المشتهرة ( ح 893 ) وكشف الخفاء ( 2339 ) . ( 3 ) حكمة رقم ( 107 ) انظر تبويب الحكم ص 17 .