تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
قلت ( أم ) : منقطعة ، والهمزة لانكار الحسبان ، من قرأ « سواء » بالرفع « 1 » ؛ فخبر مقدم ، ( ومحياهم ) : مبتدأ ، ومن قرأ بالنصب ؛ فحال من ضمير الظرف ، أي : كائنين كالذين آمنوا ، حال كونهم مستويا محياهم ومماتهم ، و « محياهم » - حينئذ - : فاعل بسواء ، وقرأ الأعمش : « ومماتهم » بالنصب على الظرفية . يقول الحق جل جلاله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا
؛ اكتسبوا
السَّيِّئاتِ
من الكفر والمعاصي ، وسميت الأعضاء جوارح ؛ لاكتسابها الخير والشر ، ويقال : فلان جارحة أهله ؛ أي : كاسبهم ، أي : أظنوا أن نصيّرهم
كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، وهم فيما هم فيه من محاسن الأعمال ، ونعاملهم معاملتهم في رفع الدرجات ، أي : حتى يكونوا
سَواءً
في
مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
، كلّا ، بل نجعل أهل الإيمان في محياهم ومماتهم متنعمين بطاعة مولاهم ، مطمئنين به ، يحيون حياة طيبة ، ويموتون موتة حسنة ، وفي مماتهم مكرمين بلقاء مولاهم ، في روح وريحان ، وجنات نعيم ، ونجعل أهل الكفر والعصيان في محياهم في ذلّ المعصية ، وكد الحرص وكدر العيش ، وفي الممات في ضيق العذاب الخالد ،
ساءَ ما يَحْكُمُونَ
أي : ساء حكمهم هذا ، أو : بئس شيئا حكموا به . قال النّسفى : والمعنى إنكار أن يستوى المسيئون والمحسنون محيا ومماتا ؛ لافتراق أحوالهم أحياء ، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات ، وأولئك على اقتراف السيئات ، ومماتا ، حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والكرامة ، وأولئك على اليأس من الرّحمة والنّدامة . وقيل : معناه : إنكار أن يستووا في [ الممات ، كما استووا في ] « 2 » الحياة في الرّزق والصحة . ساء ما يحكمون ، فليس من أقعد على بساط الموافقة ، كمن أبعد في مقام المخالفة ، بل تفرّق بينهم ، فنعلى المؤمنين ، ونخزى الكافرين . ه . وسبب نزول الآية : افتخار وقع للكفار على المؤمنين ، قالوا : لئن كانت آخرة كما تزعمون لنفضلن فيها كما فضلنا في الدنيا ، فردّ اللّه عليهم ، وأبطل أمنيتهم « 3 » .
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
لتدل على قدرته على البعث وغيره ، قال البيضاوي : كأنه دليل على الحكم السابق ، من حيث إن خلق ذلك بالحق المقتضى للعدل ، يقتضى انتصار المظلوم من الظالم ، والتفاوت بين المحسن والمسئ ، إذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات . ه .
وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
: عطف
هامش
( 1 ) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر برفع « سواء » وقرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف بالنصب . انظر الإتحاف 2 / 467 . ( 2 ) ما بين المعقوفتين من تفسير النّسفى ، وأثبته لاقتضاء السياق ذلك . ( 3 ) ذكره البغوي في التفسير ( 7 / 244 ) .