تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
على هذه العلة المحذوفة ، أي : لتدل ولتجزى ، أو على « بالحق » لأن فيه معنى التعليل ؛ إذ معناه : خلقها مقرونة بالحكمة والصواب ، دون العبث ولتجزى . . . إلخ ، أو : ليعدل وتجزى كلّ نفس بما كسبت ،
وَهُمْ
أي : النفوس ، المدلول عليها بكلّ نفس
لا يُظْلَمُونَ
بنقص الثواب أو زيادة عقاب . الإشارة : أم حسب الذين ماتوا على دنس الإصرار ، أن نجعلهم كالمطهرين الأبرار ، أم حسب الذين عاشوا في البطالة والتقصير أن نجعلهم كالذين عاشوا في الجد والتشمير ؟ « أم حسب الذين عاشوا في غم الحجاب ، وصاروا إلى سوء الحساب ، أن نجعلهم كالذين تهذبوا حتى ارتفع عنهم الحجاب ، وصاروا إلى غاية الكرامة والاقتراب ؟ لا استواء بينهم في المحيا ولا في الممات ، الأولون عاشوا معيشة ضنكا ، وصاروا بعد الموت إلى النّدامة والحسرة ، والآخرون عاشوا عيشة راضية ، وماتوا موتة طيبة ، وصاروا إلى كرامة أبدية ، ولهذا بكت الأكابر عند قراءتها ، فروى عن تميم الداري : أنه كان يصلى ليلة عند المقام ، فبلغ هذه الآية ، فجعل يبكى ويرددها إلى الصباح . وعن الفضيل : أنه بلغها ، فجعل يبكى ، ويقول : يا فضيل ! ليت شعري من أىّ الفريقين أنت ؟ . وعن الرّبيع بن خيثم : أنه قام يصلى ليلة ، فمر بهذه الآية ، فمكث ليلة حتى أصبح يبكى بكاء شديدا ، وكانت تسمى مبكاة العابدين . وسبب تسوية العاصي مع المطيع الانهماك في الهوى ، كما أبان ذلك الحق تعالى بقوله :

[ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 23 ]

أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 23 ) يقول الحق جل جلاله :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
أي : أباح لنفسه كلّ ما تهواه ، سواء كان مباحا أو غير مباح ، فكأنه يعبده كما يعبد الرّجل إلهه ، وإليه أشار في المباحث بقوله :
ومن أباح النّفس ما تهواه * فإنما معبوده هواه
فالآية وإن نزلت في هوى الكفر ؛ فهي متناولة لكلّ هوى النّفس الأمّارة ، قال ابن جبير : نزلت في قريش والعرب ، كانوا يعبدون الحجارة والذهب والفضة ، فإذا وجدوا شيئا أحسن ألقوه وعبدوا غيره « 1 » . ه . ومتابعة الهوى كلها مذمومة ، فإن كان ما هوته محرّما أفضى بصاحبه إلى العقاب ، وإن كان مباحا بقي صاحبه في غم الحجاب وسوء الحساب ، وأسر نفسه وكدّ طبعه . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما عبد تحت السماء أبغض إلى اللّه تعالى من
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي ( 7 / 6173 ) والبغوي ( 7 / 245 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 311 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان