تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
الإشارة : مذهب الصوفية : العفو عمن ظلمهم ، والإحسان إلى من أساء إليهم ؛ لأنهم رحمة للعباد ، ومقصدهم بذلك رضا اللّه ، لأن الخلق عيال اللّه ، وأحب الخلق إلى اللّه أنفعهم لعياله . قال اللجائى رضي اللّه عنه في شمائل الخصوص : قصد السادات بالعفو عمن ظلمهم ، ابتغاء مرضاة اللّه ، لا ابتغاء الثواب ، فإنه تعالى يحب العفو ، وتسمّى به . ومقصدهم بالعفو أيضا : قطع العداوة والحقد عن الظالم ، وترك الانتصار منه ، بيد أو لسان ، استعدادا منهم لسلامة الصدور . ومقصدهم أيضا : زوال الذّلة عن الظالم في موقف الحساب ، من أجل ما يطالب به من الحقوق ، وهو ضرب من الشفقة على العبيد ، وهو مقام محمود ، فشأنهم رضا اللّه عنهم إذا حلّ بالعباد في الموقف بلاء ، أرادوا أن يكونوا للخلق فداء ، فهذا أدنى مقام في العفو . ه . وفي الحديث : « إذا جمع اللّه الخلائق يوم القيامة ، نادى مناد : أين أهل الفضل ، فيقوم ناس ، وهم يسير ، فينطلقون إلى الجنة سراعا ، فتتلقاهم الملائكة ، فيقولون : إنّا نراكم سراعا ؟ فيقولون : نحن أهل الفضل ، فيقولون : وما فضلكم ؟ فيقولون : كنا إذا ظلمنا صبرنا ، وإذا جهل علينا حلمنا ، فيقال لهم : ادخلوا الجنة : فنعم أجر العاملين » « 1 » . قال القشيري بعد كلام : فمن أراد أن يعرف كيف يحفظ أولياءه ، وكيف يدمّر أعداءه ، فليصبر على أيام قلائل ، ليعلم كيف صارت عواقبهم ، من عمل صالحا فله مهناه ، ومن ارتكب سيئة قاسى بلواه ، ثم مرجعه إلى مولاه . ه . ثم ذكر ما منّ به على بني إسرائيل ، بعد ما ذكر ما منّ به على عباده جملة ، فقال :

[ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 16 إلى 17 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 16 ) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 17 ) يقول الحق جل جلاله :
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ
أي : الفصل بين العباد ، لأن الملك لم يزل فيهم حتى غيّروا ، أو : الحكمة النّظرية والعملية والفقه في الدين ،
وَالنُّبُوَّةَ
؛ حيث كثر فيهم الأنبياء ما لم
هامش
( 1 ) رواه الأصبهاني في الترغيب ( 2374 ) عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده .