تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
على نيابة المصدر ، أي : ليجزى الجزاء قوما ، أو ليجزى الخير قوما ، فأضمر الخير ؛ لدلالة الكلام عليه ، أو ناب الجار مع وجود المفعول به ، وهو قليل . يقول الحق جل جلاله :
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ
أي : يعفوا ويصفحوا عن الذين لا يتوقعون نقمه ووقائعه بأعدائه ، من قولهم : « أيام العرب » ، لوقائعها ، أو : لا يؤمّلون الأوقات التي وقّتها اللّه تعالى لثواب المؤمنين ، ووعدهم بالفوز فيها ، قيل : نزلت قبل آية القتال ثم نسخت . قال ابن عطية : ينبغي إن يقال : إن الأمور العظام ، كالقتل والكفر مجاهدة ونحو ذلك ، قد نسخ غفرانه آية السيف والجزية ، وإن الأمور الحقيرة ، كالجفاء في القول ونحو ذلك ، يحتمل أن تبقى محكمة ، وأن يكون العفو عنها أقرب للتقوى . ه . قيل : نزلت في عمر رضي اللّه عنه حين شتمه رجل من غفار ، فهمّ أن يبطش به ، فنزلت « 1 » . وقيل : نزلت في ناس من أصحاب النّبى صلّى اللّه عليه وسلم كانوا في أذىّ شديد من المشركين ، قبل أن يؤمروا بالقتال ، فشكوا ذلك إلى النّبى صلّى اللّه عليه وسلم ، فنزلت « 2 » ، وعلى هذا تكون الآية مكية . وقال ابن عباس : لما نزل :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً *
« 3 » قال فنحاص : افتقر ربّ محمد ، فلما بلغ ذلك عمر ، طلبه بالسيف ؛ ليقتله ، فنزلت ، فوضع السيف ، وقال : والذي بعثك بالحق لا يرى الغضب في وجهي « 4 » . وقيل : في شأن أبىّ بن سلول ، رأس المنافقين ، لمّا قال في غزوة المريسيع : ما مثلنا ومثل هؤلاء - يعنى المهاجرين - إلا كما قيل : سمّن كلبك يأكلك ، فبلغ ذلك عمر ، فاشتمل السيف ، يريد التوجه إليه ، فنزلت « 5 » . وعلى هذا تكون مدنية .
لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
أي : إنما أمروا أن يغفروا ليوفيهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة . وتنكير ( قوم ) مدح لهم ، كأنه قيل : ليجزى قوما - أيّما قوم ، أو قوما مخصوصين - بالصبر بسبب ما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة ، التي من جملتها الصبر على إذاية الكفار ، والإغضاء عنهم ، بكظم الغيظ ، واحتمال المكروه ، ما يقصر عنه البيان من الثواب العظيم ، ويجوز أن يراد بالقوم : الكفرة ، وبما كانوا يكسبون : سيئاتهم ، التي من جملتها ما كانوا يؤذون به المسلمين .
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها
أي : لها الثواب وعليها العقاب ، لا يكاد يسرى عمل إلى غير عامله ،
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
فيجازيكم على أعمالكم ، خيرا كان أو شرا .
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي ( 7 / 6162 ) وعزاه للنحاس والمهدوى ، عن الضحاك عن ابن عباس . ( 2 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 7 / 243 ) . عن القرظي والسدى . ( 3 ) الآية 245 من سورة البقرة . ( 4 ) أخرجه الواحدي في أسباب النّزول ( ص 293 - 294 ) عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي اللّه عنه ، بسند ضعيف . ( 5 ) ذكره الواحدي في أسباب النّزول ( 293 ) والقرطبي ( 7 / 6167 ) عن ابن عباس في رواية عطاء .