تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
ثم ذكر وبال من سلك مسلكهم ، فقال :

[ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 17 إلى 24 ]

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ( 17 ) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 18 ) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 19 ) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ( 20 ) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ( 21 ) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ( 22 ) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 ) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 ) يقول الحق جل جلاله :
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ
؛ قبل هؤلاء المشركين ،
قَوْمَ فِرْعَوْنَ
أي : امتحناهم بإرسال موسى عليه السّلام ، أو : أوقعناهم في الفتنة بالإمهال وتوسيع الأرزاق ، أو فعلنا بهم فعل المختبر ؛ ليظهر ما كان باطنا ،
وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ
؛ موسى عليه السّلام ، أي : كريم على اللّه ، أو على المؤمنين ، أو في نفسه حسيب نسيب ، لأن اللّه - تعالى - لم يبعث نبيا إلا من سادات قومه :
أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ
أي : بأن أدوا إلىّ ، أي : ادفعوا عباد اللّه ، وهم بنو إسرائيل ، بأن ترسلوهم معي ، فكانت دعوة موسى لفرعون بعد الإقرار بالتوحيد إرسال بني إسرائيل من يده ، أو : بأن أدوا إلىّ يا عباد اللّه ما يجب عليكم من الإيمان ، وقبول الدعوة ، فالعباد على هذا عام . ف « إن » مفسرة ؛ لأن مجىء الرّسل لا يكون إلا بدعوة ، وهي تتضمن القول ، أو مخففة ، أي : جاءهم بأن الشأن أدوا إلىّ ، و « عباد اللّه » على الأول : مفعول به ، وعلى الثاني : منادى ،
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
تعليل للأمر ، أو لوجوب المأمور ، أي : رسول غير ظنين ، قد ائتمنني اللّه على وحيه ، وصدّقنى بالمعجزات القاهرة .
وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ
أي : لا تتكبروا على اللّه بالاستهانة بوحيه وبرسوله أو : لا تتكبروا على نبىّ اللّه ،
إِنِّي آتِيكُمْ
من جهته تعالى
بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
؛ بحجة واضحة ، لا سبيل إلى إنكارها ، تدل على نبوتي . وفي إيراد الأداء مع الأمين ، والسلطان مع العلو ، من الجزالة ما لا يخفى ،
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ
أي : التجأت إليه ، وتوكلت عليه ،
أَنْ تَرْجُمُونِ
، من أن ترجمون ، أي : تؤذونني ضربا وشتما ، أو تقتلوني رجما . قيل : لما قال :
وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ
توعدوه بالرجم ، فتوكّل على اللّه ، واعتصم به ، ولم يبال بما توعدوه .
وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ
أي : وإن كابرتم ولم تذعنوا لي ، فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن ، فتنحوا عنى ، أو : فخلّونى كفافا لا لي ولا علىّ ، ولا تتعرضوا لي بشرّكم وأذاكم ، فليس ذلك جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلاحكم ، قال أبو السعود : وحمله على قطع الوصلة وعدم الموالاة بينه وبينهم ، يأباه المقام .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 284 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان