تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
ثم هددهم بقوله :

[ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 10 إلى 16 ]

فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ( 10 ) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 11 ) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ( 12 ) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ( 13 ) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ( 14 ) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ ( 15 ) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ( 16 ) يقول الحق جل جلاله :
فَارْتَقِبْ
؛ فانتظر
يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ
، قال علىّ وابن عباس وابن عمر والحسن - رضي اللّه عنهم - : هو دخان يجئ قبل يوم القيامة ، يصيب المؤمن منه مثل الزكام ، وينضج رؤوس المنافقين والكافرين ، حتى تكون كأنها مصليّة حنيذة « 1 » ، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه نار ، ليس فيه خصاص « 2 » ، ويؤيد هذا حديث حذيفة : « أول الآيات الدخان ، ونزول عيسى ، ونار تخرج من عدن ، تسوق النّاس إلى المحشر ، تقيل معهم إذا قالوا . . . » الحديث « 3 » ، انظر الثعلبي . وأنكر هذا ابن مسعود ، وقال : هذا الدخان قد رأته قريش حين دعا عليهم النّبى صلّى اللّه عليه وسلم بسبع كسبع يوسف ، فكان الرّجل يرى من الجوع دخانا بينه وبين السماء « 4 » . ويؤيده ما يأتي بعده . وقوله
مُبِينٍ
أي : ظاهر لا يشك أحد أنه دخان ،
يَغْشَى النَّاسَ
أي : يحيط بهم ، حتى كان الرّجل يحدّث الرّجل ، ويسمع كلامه ، ولا يراه من الدخان ، أي : انتظر يوم شدة ومجاعة ؛ فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان ، إما لضعف بصره ، أو لأن عام القحط يظلم الهواء لقلة الأمطار ، أو كثرة الغبار ،
هذا عَذابٌ أَلِيمٌ
أي : قائلين هذا عذاب أليم . ولما اشتد بهم القحط ، مشى أبو سفيان ، ونفر معه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وناشده اللّه - تعالى - والرّحم ، وواعدوه إن دعا لهم ، وكشف عنهم ، أن يؤمنوا ، وذلك قوله تعالى :
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
أي : سنؤمن إن
هامش
( 1 ) المصليّة والحنيذة : المشوية . ( 2 ) الخصاص : الفرج والخرق في البناء أو الباب ونحوه ، راجع اللسان ( خصص 2 / 1173 ) والخبر أخرجه الطبري ( 25 / 113 ) . ( 3 ) أخرجه البغوي في تفسيره ( 7 / 230 ) من حديث حذيفة بن اليمان ، وأخرجه الطبري ( 25 / 114 ) بذكر كلمة ( الدجال ) بدل ( الدخان ) . ( 4 ) معنى ما أخرجه البخاري في ( التفسير ، سورة حم الدخان ، بابأَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌح 4823 ) ومسلم ( في صفات المنافقين ، باب الدخان ح 2798 ) ( 39 ) . ولفظه كما عند البخاري : قال عبد اللّه : « إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما دعا قريشا كذبوه واستعصوا عليه ، فقال : اللهم أعنى عليه بسبع كسبع يوسف . فأصابهم سنة حصت كلّ شئ ، حتى كانوا يأكلون الميتة وكان يقوم أحدهم ، فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان ، من الجهد والجوع . ثم قرأ :فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌحتى بلغ :إِنَّكُمْ عائِدُونَقال عبد اللّه : أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة ؟ قال : والبطشة الكبرى يوم بدر » .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 281 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان