تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ
في الدنيا بإرسال الرّسل ، وإنزال الكتب ، وهو خطاب توبيخ وتقريع من جهته - تعالى ، مقرر لجواب مالك ، ومبين لسبب مكثهم ، وقيل : الضمير في ( قال ) للّه تعالى ، أي : لقد أعذرنا إليكم بإرسال الرّسل بالحق
وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ
أىّ حق كان
كارِهُونَ
لا تسمعونه وتفرون منه ؛ لأن مع الباطل الدّعة ، ومع الحق التعب ، هذا في مطلق الحق ، وأما في الحق المعهود ، الذي هو التوحيد والقرآن ، فكلهم كارهون مشمئزون منه .
أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً
: مبتدأ ، ناع على المشركين ما فعلوا من الكيد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، و « أم » منقطعة ، وما فيها من معنى « بل » للانتقال من توبيخ أهل النّار إلى حكاية جناية هؤلاء ، أي : أم أحكم مشركو مكة أمرا من كيدهم ومكرهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ،
فَإِنَّا مُبْرِمُونَ
كيدنا حقيقة ، كما أبرموا كيدهم صورة ، كقوله تعالى :
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ
« 1 » الآية . وكانوا يتناجون في أنديتهم ، ويتشاورون في أمره صلّى اللّه عليه وسلم .
أَمْ يَحْسَبُونَ
؛ بل يحسبون
أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ
وهو ما حدّثوا به أنفسهم أو غيرهم في مكان خال ،
وَنَجْواهُمْ
أي : ما تكلموا به فيما بينهم بطريق التناجي ،
بَلى
نحن نسمعها ونطّلع عليها
وَرُسُلُنا
؛ الملائكة الذين يحفظون عليهم أعمالهم ، ويلازمونهم أينما كانوا
لَدَيْهِمْ
أي : عندهم
يَكْتُبُونَ
كل ما صدر عنهم من الأفعال والأقوال ، ومن جملتها : ما ذكر من سرهم ونجواهم ، والجملة : إما عطف على ما يترجم عنه « بلى » ، أي : نكتبها ورسلنا كذلك ، أو حال ، أي : نسمعها والحال أن رسلنا يكتبونه . الإشارة : قوله تعالى :
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ . . .
إلخ . . أما أهل الشرك فقد اتفق المسلمون على خلودهم ، إلا ما انفرد به ابن العربي الحاتمي والجيلي ، فقد نقلا خبرا مأثورا : أن النّار تخرب ، وينبت موضعها الجرجير ، وينتقل زبانيتها إلى خزنة الجنان ، فهذا من جهة الكرم وشمول الرّحمة لا يمنع ، ومن جهة ظواهر النّصوص معارض ، وباطن المشيئة مما اختص اللّه تعالى به . ونقل الجيلي أيضا في كتابه ( الإنسان الكامل ) : أن بعض أهل النار أفضل عند اللّه من بعض أهل الجنة يتجلى لهم الحق تعالى في دار الشقاء . ونقل أيضا : أن بعض أهل النّار تعرض عليهم الجنة فيأنفون منها ، وأن بعض أهل النّار يتلذذون بها كصاحب الجرب . وذكر بعضهم أن أهل النّار يتطبعون بها ، كالسمندل ، فهذه مقالات غريبة ، اللّه أعلم بصحتها . وعلى تقدير وقوعها في غيب مشيئته تعالى ، فلعلها في قوم مخصوصين من المسلمين ختم لهم بالشقاء بعد مقاسات شدائد الطاعة ، أو : في قوم من أهل الفترة لم يكن فيهم
هامش
( 1 ) من الآية 42 من سورة الطور .