تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
يقول الحق جل جلاله :
قُلْ
يا محمد
إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ
على زعمكم
فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
للّه ، كان أو لم يكن ، ويسمى هذا إرخاء العنان ، أي : أنا أول من يخضع للّه ، كان له ولد أو لم يكن ، وقد قام البرهان على نفيه . قال معناه السدى ، أو : وإن كان للرّحمن ولد فأنا أول من يعظم ذلك الولد ، وأسبقكم إلى طاعته ، والانقياد إليه ، كما يعظم ولد الملك ، لتعظيم أبيه ؛ وهذا الكلام وارد على سبيل الفرض ، والمراد : نفى الولد ، وذلك أنه علّق العبادة بكينونة الولد ، وهي محال في نفسها ، فكان المعلق بها محالا مثلها ، ونظيره ، قول سعيد بن جبير للحجاج ، - حين قال له : واللّه لأبدلنّك بالدنيا نار تلظى - : لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلها غيرك . أو : إن كان للرّحمن ولد في زعمكم
فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
أي : الموحّدين للّه ، المكذّبين قولكم ، بإضافة الولد إليه ؛ لأن من عبد اللّه ، واعترف بأنه إلهه فقد دفع أن يكون له ولد . أو : إن كان للرّحمن ولد فأنا أول العابدين ، أي : الجاحدين والآنفين من أن يكون له ولد ، من عبد : بكسر الباء : إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد ، ومنه قول الشاعر :
متى ما يشا ذو الودّ يصرم خليله * ويعبد عليه لا محالة ظالما « 1 »
وقول الحريري :
قال ما يجب على عابد الحقّ * قال يحلف بالإله الخلق « 2 » .
أي : على جاحد الحق . وقيل : هي « إن » النافية ، أي : ما كان للرحمن ولد فأنا أول من عبد اللّه ووحّده ، فيوقف على « ولد » على هذا التأويل . روى : أن النّضر قال : إن الملائكة بنات اللّه ، فنزلت الآية ، فقال النّضر : ألا ترون أنه صدّقنى ؛ فقال الوليد : ما صدّقك ، ولكن قال : ما كان للرحمن ولدا ، فأنا أوّل الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له « 3 » . وسيأتي في الإشارة قول آخر . قال القشيري : وفي الآية وأمثالها دليل على جواز حكاية قول المبتدعة فيما أخطأوا فيه في الاعتقاد ، على وجه الردّ عليهم . ه . قلت : ولا تجوز مطالعة أقوالهم إلا لمن رسخت قدمه في المعرفة ، والإعراض عنها أسلم . ثم نزّه ذاته عن اتخاذ الولد ، فقال :
سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
أي : تنزه رب هذه العوالم العظام عن اتخاذ الولد ؛ لأن اتخاذ الولد من صفة الأجسام ، ولو كان جسما ما قدر على خلو هذه
هامش
( 1 ) البيت للمرقش الأصغر . انظر المفضليات ( 502 ) وروح المعاني للألوسى ( 25 / 105 ) . ( 2 ) هكذا في الأصول ، وأظنه [ الحق ] ، ولم أقف على البيت في غير هذا المكان . ( 3 ) ذكره النّسفى ( 3 / 283 ) .