تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
قيل : لمّا نفى التسوية بين الصالح المتّقى ، والمفسد الفاجر ، بيّن ما تحصل به لمتبعيه السعادة الأبدية ، ويحصل به الصلاح التام ، والتقوى الكاملة . وهو كتاب اللّه فقال جل جلاله : هذا
كِتابٌ
؛ وهو القرآن
أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ
؛ كثير المنافع الدينية والدنيوية ، أنزلناه
لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ
أي : ليتفكروا في آياته ، التي من جملتها هذه الآيات المعربة عن أسرار التكوين والتشريع ، فيعرفوا ما في ظاهرها من المعاني الفائقة ، والتأويلات اللائقة . وقرىء : لتدبروا على الخطاب « 1 » ، أي : أنت وعلماء أمتك ، بحذف إحدى التاءين .
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
أي : وليتّعظ به ذوو العقول الصافية ، السليمة من الهوى ، فيقفوا على ما فيه ، ويعملوا به ، فإنّ الكتب الإلهية ما نزلت إلا ليتدبر ما فيها ، ويعمل به . وعن الحسن : قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان ، لا علم لهم بتأويله ، حفظوا حروفه وضيّعوا حدوده . ه . الإشارة : كتاب اللّه العزيز بطاقة من عند الملك ، والمراد من البطاقة فهم ما فيها ، والعمل به ، لا قراءة حروفها ورسومها فقط ، فمن فعل ذلك فهو مقصّر . وذكر في الإحياء أن آداب القراءة عشرة ، أي : الآداب الباطنية : الأول : فهم عظمة الكلام وعلوّه ، وفضل اللّه سبحانه بخلقه ، في نزوله عن عرش جلاله ، إلى درجة أفهام خلقه ، فلو لا استتار كنّه جلال كلام اللّه تعالى ، بكسوة الحروف ، لما ثبت لكلام اللّه عرش ولا ثرى ، ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه ، ولولا تثبيت اللّه موسى عليه السّلام ما أطاق سماع كلامه ، كما لم يطق الجبل مبادر نوره . الثاني : تعظيم المتكلم به ، وهو اللّه سبحانه ، فيخطر في قلبه عظمة المتكلم ، ويعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر ، وأن في تلاوة كتابه غاية الخطر ، ولهذا كان عكرمة إذا نشر المصحف غشى عليه . الثالث : حضور القلب ، وترك حديث النّفس ، فإذا قرأ آية غافلا أعادها . الرابع : التدبر ، وهو وراء الحضور ، فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ، ولكنه مقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره . قال علىّ رضي اللّه عنه : لا خير في عبادة لا فقه فيها ، ولا خير في قراءة لا تدبّر فيها . الخامس : التفهم « 2 » ، وهو أن يستوضح كلّ آية ما يليق بها ؛ إذ القرآن مشتمل على ذكر صفات اللّه تعالى ، وذكر أفعاله ، وذكر أحوال أنبيائه - عليهم السّلام - ، وذكر أحوال المكذّبين ، وكيف أهلكوا ، وذكر أوامره وزواجره ، وذكر الجنة والنّار ، قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : « من أراد علم الأولين والآخرين فليثوّر القرآن » ، أي : فإنه مشتمل على فعل اللّه ، وصفاته ، وكشف أسرار ذاته ، لمن تأمله حق تأمله .
هامش
( 1 ) وبذلك قرأ أبو جعفر . . انظر إتحاف فضلاء البشر ( 2 / 421 ) . ( 2 ) في الأصول [ التفهيم ] والمثبت هو الذي في الإحياء .