تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
وعن عبد اللّه بن طاهر : أنه لما ولى مصر خرج إليها ، فلما شارفها ، قال : أهي القرية التي افتخر بها فرعون ، حتى قال :
أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ
؟ واللّه لهى أقلّ عندي من أن أدخلها ، فثنى عنانه . وعن هارون الرّشيد : أنه لما قرأها ، قال : واللّه لأولينّها أخسّ عبيدي ، فولاها الخصيب ، وكان خادم وضوئه « 1 » .
وَهذِهِ الْأَنْهارُ
: إما عطف على « ملك مصر » ، ف « تجرى » : حال منها ، أو : واو الحال ، ف « هذه » مبتدأ ، و « الأنهار » : صفتها و « تجرى » : خبر ،
أَ فَلا تُبْصِرُونَ
قوتى وسلطاني ، مع ضعف موسى وقلة أتباعه . أراد بذلك استعظام ملكه وترغيب النّاس في اتباعه . ثم قال :
أَمْ أَنَا خَيْرٌ
مع هذه المملكة والبسطة
مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ
أي : ضعيف حقير ، من : المهانة ، وهي القلة .
وَلا يَكادُ يُبِينُ
الكلام لما به من اللثة . قاله افتراء عليه عليه السّلام ، وتنقيصا له في أعين الناس ، باعتبار ما كان في لسانه عليه السّلام . وقد كانت ذهبت عنه ، لقوله تعالى :
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى
« 2 » . والهمزة للتقرير ، كأنه قال إثر ما عدد من أسباب فضله ، ومبادئ خيريته : أثبت عندكم واستقر لديكم أنى أنا خير ، وهذه حالي ، من هذا . وإما متصلة ، والمعنى : أفلا تبصرون أم تبصرون ؟ فوضع قوله :
أَمْ أَنَا خَيْرٌ
موضع « تبصرون » ؛ لأنهم إذا قالوا : أنت خير ؛ فهم عنده بصراء . وهذا من باب تنزيل السبب منزلة المسبب . انظر أبا السعود .
فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ
« 3 »
مِنْ ذَهَبٍ
أي : فهلا ألقى عليه مقاليد الملك إن كان صادقا ، لأنهم كانوا إذا سوّدوا رجلا سوّروه بسوار ، وطوقوه بطوق من ذهب .
أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
؛ مقرونين يمشون معه ، مقترن بعضهم ببعض ، ليكونوا أعضاده وأنصاره ، أو : ليشهدوا له بالنبوة ؟
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ
أي : فاستفزهم ، وطلب منهم الخفة والسرعة في مطاوعته . أو : فاستخف أحلامهم واستزلهم ،
فَأَطاعُوهُ
فيما أمرهم به
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
، خارجين عن الدين ، فلذلك سارعوا إلى طاعته .
فَلَمَّا آسَفُونا
؛ أغضبونا أشد الغضب ، منقول من : أسف : إذ اشتد غضبه ،
انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ
، والمعنى : أنهم أفرطوا في المعاصي فاستوجبوا أن نعجّل لهم العذاب ، وألا نحلم عليهم .
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً
؛ قدوة لمن بعدهم من الكفار ، يسلكون مسلكهم في استيجاب مثل ما حلّ بهم من العذاب ، ف كل من تفرعن
هامش
( 1 ) انظر تفسير القرطبي ( 7 / 6102 ) وتفسير النّسفى ( 3 / 276 ) . ( 2 ) الآية 36 من سورة طه . ( 3 ) قرأ حفص ويعقوب « أسورة » بسكون السين بلا ألف ، جمع « سوار » كأخمرة وخمار ، وقرأ الباقون « أساورة » بفتح السين ، وألف ، جمع « أسورة » ، كأسقية وأساقى ، أو جمع « أساور » بمعنى « سوار » . وقد أثبت المفسر - رحمه اللّه - قراءة « أساورة » . انظر : شرح الهداية ( 2 / 508 ) والإتحاف ( 2 / 457 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 256 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان