تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
الإشارة : قد ظهرت الآيات على الأنبياء والرّسل ، فلم ينتفع بها إلا من سبقت له العناية ، وكذلك ظهرت الكرامات على أيدي الأولياء الداعين إلى اللّه ، فلم ينتفع بها إلا من سبق له التقريب والاصطفاء . على أن الصادق في الطلب لا يحتاج إلى ظهور كرامة ، بل إذا أراد اللّه أن يوصله إليه وصله إلى ولىّ من أوليائه ، فطوى عنه وجود بشريته ، وأشهده سر خصوصيته ، فخضع له من غير توقف على كرامة ولا آية . وأما من لم يسبق له التقريب ؛ إذا رأى ألف آية ضحك منها واستهزأ ، ورماها بالسحر والشعوذة ، والعياذ باللّه من البعد والطرد . ثم ذكر عتو فرعون وطغيانه ، فقال :

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 51 إلى 56 ]

وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 51 ) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ ( 52 ) فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ( 53 ) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 54 ) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ( 55 ) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ ( 56 ) يقول الحق جل جلاله :
وَنادى فِرْعَوْنُ
، إما بنفسه ، أو : أمر من ينادى ، كقولك : قطع الأمير اللص . والظاهر أنه نادى بنفسه ،
فِي قَوْمِهِ
؛ في مجمعهم وفيما بينهم ، بعد أن كشف العذاب عنهم ، مخافة أن يؤمنوا ،
قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ
؛ أنهار النّيل ، ومعظمها أربعة ؛ نهر الملك ، ونهر طولون ، ونهر دمياط ، ونهر تييس ،
تَجْرِي مِنْ تَحْتِي
؛ تحت سريري ؛ لارتفاعه ، أو : بين يدي في جناتي وبساتينى . قال عمرو بن العاص رضي اللّه عنه : نيل مصر سيد الأنهار ، سخّر اللّه له كلّ نهر بين المشرق والمغرب ، فإذا أراد اللّه أن يجريه أمر الأنهار فأمدته بمائها ، وفجّر له الأرض عيونا ، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد اللّه سبحانه أوحى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره . قاله في الاكتفاء . ومهبطه من جبل القمر . وقيل : أصله من الجنة ، واللّه تعالى أعلم . وحدّ مصر : من بحر الإسكندرية إلى أسوان ، بطول النّيل . والأنهار المذكورة هي الخلجان الكبار ، الخارجة من النيل .