تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
وقيل : لما سمعوا قوله تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ . . .
« 1 » الآية ، قالوا : نحن أهدى من النّصارى ، لأنهم عبدوا آدميا ، ونحن نعبد الملائكة ، فنزلت . فقولهم : آلهتنا خير ، هو حينئذ تفضيل لآلهتهم على عيسى عليه السّلام ؛ لأن المراد بهم الملائكة . ومعنى :
ما ضَرَبُوهُ . .
إلخ : ما قالوا هذا القول إلا للجدال . وقيل : لما نزل :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ . .
الآية ، قالوا : ما يريد محمد إلا أن نعبده كما عبد النّصارى المسيح . ومعنى « يصدون » : يضجون ويسخرون ، والضمير على هذا في « أم » هو لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وغرضهم ومرادهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم الاستهزاء به صلّى اللّه عليه وسلم ويجوز أن يكون مرادهم التنصّل عما أنكر عليهم من قولهم : الملائكة بنات اللّه ، ومن عبادتهم لهم ، كأنهم قالوا : ما قلنا بدعا من القول ، ولا فعلنا منكرا من الفعل ، فإنّ النّصارى جعلوا المسيح ابن اللّه ، وعبدوه ، فنحن أرشد منهم قولا وفعلا ، حيث نسبنا له الملائكة ، وهم نسبوا إليه الأناسى . فقوله تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ
أي : ما عيسى إلا عبد ، كسائر العبيد ، أنعمنا عليه بالنبوة ،
وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ
، أي : أمرا عجيبا ، حقيقا بأن يسير ذكره كالأمثال السائرة ، ففيه تنبيه على بطلان رفعه عن رتبة العبودية ، أي : قصارى أمره أنه ممن أنعمنا عليه بالنبوة ، وخصصناه ببعض الخواص البديعة ، بأن خلقناه على وجه بديع ، وقد خلقنا آدم بوجه أبدع منه ، فأين هو من رتبة الرّبوبية حتى يتوهم أنه رضى بعبادته مع اللّه ؟ ومن عبده فإنما عبد الشيطان . ثم قال تعالى :
وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ
بدلا منكم ، كذا قال الزجاج ، ف « من » بمعنى البدل
يَخْلُفُونَ
أي : يخلفونكم في الأرض ، أي : لو نشاء لذهبنا بكم وجعلنا بدلا منكم ملائكة يخلفونكم في الأرض ، فيكونون أطوع منكم للّه تعالى ، وقيل : ( ولو نشاء ) لقدرتنا على عجائب الأمور ( لجعلنا منكم ) بطريق التوالد ، وأنتم رجال ، من شأنكم الولادة - ( ملائكة ) كما خلقناهم بطريق الإبداع ( في الأرض ) مستقرين فيها ، كما جعلناهم مستقرين في السماء ، يخلفونكم مثل أولادكم ، ويباشرون الأفاعيل المنوطة بمباشرتكم ، فكيف يستحقون المعبودية مع أنهم أجسام ، متولدون عن أجسام ، والمستحق للعبادة يتعالى عن ذلك ؟ !
وَإِنَّهُ
أي : عيسى عليه السّلام
لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ
أي : مما يعلم به مجىء الساعة عند نزوله . وقرأ ابن عباس « لعلم » بفتح اللام « 2 » ، أي : وإن نزوله لعلم للساعة ، أو : وإن وجوده بغير أب ، وإحياءه للموتى ، دليل على صحة البعث ، الذي هو معظم ما ينكره الكفرة .
هامش
( 1 ) الآية 59 من سورة آل عمران . ( 2 ) اللام الثانية مع فتح العين ( لعلم ) وهو الأمارة والعلامة .