تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
أو : وإنه لموعظة لك ولأمتك بأجمعها .
وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ
يوم القيامة عن شكركم هذه النّعمة ، أو : عما أوحى إليه ، وعن قيامكم بحقوقه ، وعن تعظيمكم له .
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ
، فليس المراد سؤال الرّسل حقيقة ، ولكنه مجاز عن النّظر في أديانهم والفحص عن مللهم ، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء ؟ وكفاه نظرا وفحصا نظره في كتاب اللّه المعجز ، المصدق لما بين يديه . وإخبار اللّه فيه بأنهم إنما يعبدون من دون اللّه ما لم ينزل به سلطانا . وهذه الآية في نفسها كافية ، لا حاجة إلى غيرها . وقيل إنه صلّى اللّه عليه وسلم جمع له الأنبياء - عليهم السّلام - وقيل له : سلهم « 1 » ، وهو ضعيف . وقيل معناه : سل أمم من أرسلنا ، وهم أهل الكتابين ؛ التوراة والإنجيل ، وإنما يخبرونه عن كتب الرّسل ، فإذا سألهم فكأنما سأل الأنبياء ، ومعنى هذا السؤال : التنبيه على بطلان عبادة الأوثان ، والاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد ، وأنه ليس ببدع ابتدعه حتى ينكر ويعادى . وقيل : الخطاب له ، والمراد غيره ممن يرتاب . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الاستمساك بالوحي كان حاصلا له صلّى اللّه عليه وسلم ، وإنما المراد الثبوت على ما هو حاصل ، والاسترشاد إلى ما ليس بحاصل ، فالمراد الترقي في زيادة العلم ، والكشف إلى غير نهاية ، كقوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
، فالترقى لا ينقطع لمن تمسك بالوحي التمسك الحقيقي ، بحيث كشف له عن غوامض أسرار القرآن ، وزال الحجاب بينه وبين اللّه تعالى ، فهو دائما في زيادة العلم والكشف ، إلى ما لا نهاية له . وهذا هو الشرف العظيم في الدارين . فمن لم يشكره سئل عنه ، أو سلب منه في الدنيا . ثم إن التوحيد في الذات والصفات والأفعال مما أجمعت عليه الملل ، وكل داع إنما يدعو إليه ، وكلّ شيخ مربى إنما يوصل إليه ، ومن لم يوصل إليه أصحابه فهو دجّال . وباللّه التوفيق . ثم سلّى رسوله بقوله :

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 46 إلى 50 ]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 46 ) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ ( 47 ) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 48 ) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ ( 49 ) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ( 50 )
هامش
( 1 ) ذكره البغوي ( 7 / 216 ) والقرطبي ( 7 / 6097 ) عن ابن عباس ، وفيه : قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لا أسأل فقد اكتفيت » .