تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
وكلّ من عوّق النّاس عن طريق الحق يصدق عليه قوله :
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
، فإذا تحققت الحقائق ، وارتفع الغطاء ، وظهر الصواب من الخطأ ، قال للذي صده عن طريق القوم : يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ، فيقول الحق جل جلاله :
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ
حيث حرمتموها من الوصول إلىّ أنكم في عذاب الحجاب مشتركون . ويقال لمن وعظ ودعا إلى اللّه ، فلم يقبل منه :
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ . . .
الآية . فإما نذهبنّ بك بالموت ، فيقع النّدم عليك ، أو نرينك الذي وعدناهم من العز لك والنّصر ، والانتقام ممن آذى أولياء اللّه ، فإنا عليهم مقتدرون . ثم أمر بالثبوت في طريق الحق ، فقال :

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 43 إلى 45 ]

فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 43 ) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ( 44 ) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ( 45 ) يقول الحق جل جلاله :
فَاسْتَمْسِكْ
أي : تمسك
بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ
من الآيات والشرائع ، واعمل بذلك ، سواء عجلنا لك الموعود أو أخرناه ،
إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
؛ على دين قيم لا عوج فيه ، وهو تعليل للأمر بالاستمساك .
وَإِنَّهُ
أي : ما أوحى إليك
لَذِكْرٌ
؛ لشرف عظيم
لَكَ وَلِقَوْمِكَ
؛ ولأمتك ، أو : لقومك من قريش ، فمازال العز فيهم ، والشرف لهم ، من زمانه صلّى اللّه عليه وسلم إلى قرب الساعة . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يزال هذا الشأن في قريش ما بقي منهم اثنان » « 1 » . وفي رواية : « لا يزال هذا الأمر في قريش ، لا يعاديهم أحد إلا كبّ على وجهه ما أقاموا الدّين » « 2 » . قال ابن عباس : كان صلّى اللّه عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكة ، ويعدهم الظهور ، فإذا قالوا : لمن الملك بعدك ؟ أمسك فلم يجبهم ، حتى نزلت :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
فكان بعد تلك إذا سئل قال : « لقريش » فلا يجيبونه ، فقبلته الأنصار على ذلك « 3 » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( المناقب ، باب مناقب قريش ح 3501 ) ومسلم في ( الإمارة ، باب النّاس تبع لقريش والخلافة لقريش 3 / 1452 ح 1820 ) من حديث ابن عمر رضي اللّه عنه . ( 2 ) جزء من حديث أخرجه البخاري ، في الموضع السابق ( ح 3500 ) ، من حديث معاوية رضي اللّه عنه . ( 3 ) عزاه في الدر المنثور ( 5 / 725 ) لابن عدى وابن مردويه ، عن علىّ وابن عباس - رضي اللّه عنهما - قلت : على هامش النّسخة الأم ما يلي : هذا غريب جدا ، والمعروف أنه كان يقول : « الملك للّه يضعه حيث يشاء » . ه .