تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
فقال ابن عرفه : فأنت إذا أبو عبد اللّه بن مرزوق ؟ فقال : نعم ، فرحّب به . وقال : واللّه ما ظلمناك . ه . وقرأ ابن عباس : « يعش » - بفتح الشين ، أي : يعم ، من : عشى يعشى « 1 » . وقرئ : « يعشو » على أن « من » موصولة غير مضمنة معنى الشرط ، وإلا جزمت كما تقدم . قلت : والذي يظهر من كلام التسهيل أن الموصول المضمن معنى الشرط إنما يجزم الجواب لا الشرط ، فتأمله ، مع كلام ابن مرزوق . والشاهد الذي أتى به إنما فيه جزم الجواب لا الشرط ، فلا يصح ما قاله ابن مرزوق باعتبار جزم لفظ الشرط . واللّه تعالى أعلم . يقول الحق جل جلاله :
وَمَنْ يَعْشُ
أي : يتعام ، أو : يعم . والفرق بين القراءتين « 2 » أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل : عشى يعشى ، وإذا ضعف بصره بلا آفة قيل : عشى يعشو . والمعنى : ومن يعرض
عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ
وهو القرآن ، لفرط اشتغاله بزهرة الدنيا ، وانهماكه في الحظوظ الفانية ، فلم يلتفت إليه ، ولم يعرف أنه حق - على قراءة الفتح - أو : عرف أنه حق وتعامى عنه ، تجاهلا ، على قراءة الضم ،
نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
، قال ابن عباس : نسلطه عليه فهو معه في الدنيا والآخرة ، لا يفارقه ، ولا يزال يوسوسه ويغويه . وفيه إشارة إلى أن من دام عليه لم يغوه الشيطان . وإضافته إلى « الرحمن » للإيذان بأن نزوله رحمة للعالمين ، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله ، أي : ما ذكره الرّحمن وأوحى به في كتابه . وقال ابن عطية : ما ذكّر اللّه به عباده من المواعظ . ويحتمل أن يريد مطلق الذكر ، أي : ومن يغفل عن ذكر اللّه نسلط عليه شيطانا ، عقوبة على الغفلة ، فإذا ذكر اللّه تباعد عنه .
وَإِنَّهُمْ
أي : الشياطين ، الذي قيض كلّ واحد منهم لكلّ واحد ممن يعشو ،
لَيَصُدُّونَهُمْ
؛ ليمنعون العاشين
عَنِ السَّبِيلِ
؛ عن سبيل الهدى الذي جاء به القرآن ،
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
أي : أنفسهم مهتدون ، أو : ويحسب العاشون أن الشياطين مهتدون ، فلذلك قلّدوهم ، فمدار جمع الضمير اعتبار معنى « من » كما أن مدار إفراده فيما سبق اعتبار لفظها . وصيغة المضارع في الأفعال الأربعة للدلالة على الاستمرار التجديدى ، لقوله :
حَتَّى إِذا جاءَنا
فإن « حتى » تقتضى أن تكون غاية لأمر ممتد ، أي : يستمر العاشون على ما ذكر من مقارنة الشياطين والصد والحسبان الباطل ، حتى إذا جاءنا كلّ واحد منهم مع قرينه يوم القيامة . ومن قرأ بالتثنية « 3 » ، فالمراد العاشى وقرينه . قال مخاطبا لقرينه :
يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ
في الدنيا
بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ
هامش
( 1 ) فهو أعشى ، وامرأة عشواء . ( 2 ) أي : قراءة « يعش » بضم الشين و « يعش » بفتحها . ( 3 ) قرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبو بكر ، وأبو جعفر ( جاءانا ) بألف بعد الهمزة على التثنية وهما العاشى وقرينه . وقرأ الباقون بغير ألف بعد الهمزة . والضمير يعود على العاشى . انظر شرح الهداية ( 2 / 508 ) والإتحاف ( 2 / 456 ) .