تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
وقيل : « سخريا » أي : يسخر بعضهم من بعض .
وَرَحْمَتُ رَبِّكَ
أي : النبوة ، أو : الدين وما يتبعه من الفوز في المآب ،
خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
أي : مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا الدنية الفانية . الإشارة : مما جرى في طبع النّاس أنهم لا يقرون الولاية إلا فيمن عظم جاهه ، وكثر طعامه ، أو كثرت صلاته ، أو كان مجذوبا مصطلما ، أو : سبقت في أسلافه ، وهذا خطأ ، فإن الولاية سر من أسرار اللّه ، أودعها قلوب أصفيائه ، لا تظهر على جوارحهم ، ولا تكون في الغالب إلا في أهل التجريد ، وأهل الخمول ، أخفاها اللّه في عباده ، فمن ادعاها من غير تجريد ولا تخريب ، فهو مدع ، ولذلك قال أبو المواهب رضي اللّه عنه : من ادعى شهود الجمال ، قبل تأدبه بالجلال ، فارفضه فإنه دجال . ويقال لمن أنكر على أهلها من أهل التجريد :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ . . .
الآية ، ورحمة ربك - هي سر الخصوصية - خير مما يجمعون . وقال القشيري على قوله تعالى :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ . . .
إلخ ، بعد كلام : ثم إنه تعالى قسم [ لبعض لعباده ] « 1 » النعمة والغنى ، ولقوم الفقر والقلّة ، وجعل لكلّ واحد منهم مسكنا يسكنون إليه ، ويستقلون به ، فللأغنياء وجود الإنعام ، وجزيل الأقسام ، فشكروا واستبشروا ، وللفقراء شهود القسّام ، فحمدوا وافتخروا ، فالأغنياء وجدوا النّعمة فاستغنوا وانشغلوا ، والفقراء سمعوا قوله : « نحن » فاشتغلوا ، وفي الخبر : أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال للأنصار : « أما ترضون أن يرجع الناس بالشاء والبعير ، وترجعوا برسول اللّه إلى أهليكم ؟ واللّه ما تنقلبون به خير مما ينقلبون » « 2 » ه . قوله تعالى :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ . . .
إلخ ، قد سبقت أقسام الرّزق قبل ظهور الخلق ، فالواجب انتظار القسمة ، والرّضا بما قسم ، كما قال الشاعر :
اقنع بما قسم الرّزّاق من قسم * وسلّم الأمر فالرزاق مختار
لا تجزعن ولا تبطر على محن * أو منح ، فإنما هي أحكام وأقدار
واقنع بكلّ الذي يجرى الزمان به * ولا يكن منك للمغرور انكسار .
هامش
( 1 ) في الأصول [ لعباده ] والمثبت من القشيري ، وهو الأنسب . ( 2 ) أخرجه مسلم في ( الزكاة ، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم . . . ، 2 / 734 ، ح 1059 ) وبنحوه البخاري في ( مناقب الأنصار باب مناقب الأنصار ح 3778 ) من حديث أنس رضي اللّه عنه .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 246 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان