تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
لأنزل على أحد هؤلاء ، بناء على ما زعموا من أن الرّسالة منصب جليل ، لا يليق له إلا من له جلالة من جهة المال والجاه ، ولم يدروا أنها رتبة روحانية ، لا يترقى إليها إلا همم الخواص ، المختصين بالنفوس الزكية ، المؤيّدين بالقوة القدسية ، المتحلين بالفضائل الإنسية ، وأما المتزخرفون بالزخارف الدنيوية ، المتمتعون بالحظوظ الدنية ، فهم من استحقاق تلك الرّتبة بألف معزل . قال ابن عطية : وإنما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسن ، وإلا فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان أعظم هؤلاء ؛ إذ كان المسمى عندهم الأمين . ه . ومرادهم : الشرف الدنيوي ، بحيث يتعرض للأمور ؛ ليذكر ويشار إليه ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان منزها عن ذلك من أول النّشأة ، كما هو حال أهل الآخرة ، والنّفوس في مهماتها إليهم أميل ، وعليهم تعول ، ولذلك كان أمينا عندهم ، ولا ترضى جل النّفوس أهل الفضول ؛ لأماناتها ، ولا تسكن إليها وتطمئن بها ، وإنما تعظمها ظاهرا ، لا حقيقة . وهذا كاف في الرّد عليهم في أنهم لا يرضونهم لأماناتهم ، فكيف يرضون لأمانات الوحي .
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
« 1 » . قاله في الحاشية . وقوله تعالى :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ
، إنكار عليهم ، وفيه تجهيل لهم وتعجيب من تحكمهم في اختيار من يصلح للنبوة . والمراد بالرحمة : النبوة .
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ
؛ ما يعيشون به ، وهو أرزاقهم الحسية
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
أي : لم نجعل قسمة الأدون إليهم ، وهو رزق الأشباح ، فكيف بالنبوة ، والعلم ، الذي هو رزق الأرواح ؟
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
أي : جعلنا البعض أقوياء وأغنياء وموالى ، والبعض ضعفاء وفقراء وخدماء ،
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
أي : ليصرف بعضهم بعضا في حوائجهم ، ويستخدموهم في مهماتهم ، ويسخروهم في أشغالهم ، حتى يتعايشوا ، ويصلوا إلى أعمالهم ، هذا بماله ، وهذا ببدنه ، ولو استووا في الغنى والفقر لبطل جل المصالح ، فسبحان المدبر الحكيم . قال القشيري : لو كانت المقادير متساوية لتعطلت المعايش ، ولبقى كلّ عند حاله ، فجعل بعضهم مخصوصا بالترفه والمال ، وآخرين بالفقر ورقة الحال ، حتى احتاج الفقير في حين حاجته أن يعمل للغنىّ ، ليترفق من جهته بأجرته ، فيصلح بذلك أمر الفقير والغنىّ معا . ه . ولو فوضنا ذلك إلى تدبيرهم لهلكوا . وإذا كانوا في تدبير خويصة أمرهم ، وما يصلحهم من متاع الدنيا الدنية ، في غاية العجز ، فما ظنهم في تدبير أمر الدين والنّبوة ؟ ! .
هامش
( 1 ) من الآية 124 من سورة الأنعام .