تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦

[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 27 إلى 28 ]

وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 27 ) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ( 28 ) يقول الحق جل جلاله :
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ
أي : لو أغناهم جميعا
لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ
أي : لتكبروا وأفسدوا فيها ، بطرا ، ولعلا بعضهم على بعض بالاستعلاء والاستيلاء ، لأن الغنى مبطرة مفسدة ، وكفى بحال قارون وفرعون عبرة . وأصل البغي : تجاوز الاقتصاد [ عما يجزى ] « 1 » من حيث الكمية أو الكيفية .
وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ
أي : بتقدير
ما يَشاءُ
أن ينزله ، مما تقضيه مشيئته . يقال : قدره وقدّره قدرا وتقديرا
إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
؛ محيط بخفايا أمورهم وجلاياها ، فيقدر لكلّ واحد منهم ما يليق بشأنه ، فيفقر ويغنى ، ويعطى ويمنع ، ويقبض ويبسط ، حسبما تقتضيه الحكمة الرّبانية ، ولو أغناهم جميعا لبغوا في الأرض ، ولو أفقرهم لهلكوا ، وما ترى من البسط على من يبغى ، ومن البغي بدون البسط ، فهو قليل ، ولكن البغي مع الفقر أقلّ ، ومع البسط أكثر وأغلب ، فالحكمة لا تنافى بغى البعض بدفعه بالبعض الآخر ، بخلاف بغى الجميع .
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ . . . *
« 2 » الآية . وقال شقيق بن إبراهيم :
لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ
أي : لو رزق اللّه العباد من غير كسب
لَبَغَوْا
؛ طغوا وسعوا في الأرض بالفساد ، ولكن شغلهم بالكسب والمعاش ، رحمة منه . ه . أي : لئلا يتفرغوا للفساد ، ومثله في التنوير . وقال شيخ شيوخنا الفاسي العارف : والظاهر حمل العباد على الخصوص المصطفين من المؤمنين ، فإنهم يحمون من الطغيان وبسط الرّزق ؛ لئلا يبغوا . ه . وقال قتادة : كان يقال : خير الرّزق : ما لا يطغيك ، ولا يلهيك ، فذكر لنا أن النّبى صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها » « 3 » . ه .
هامش
( 1 ) هكذا في الأصول ، وفي تفسير أبى السعود [ فيما يتحرى ] . ( 2 ) من الآية : 40 من سورة الحج . ( 3 ) أخرجه الطبري ( 25 / 19 ) .