تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
الإسلام .
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
أي : عليم بما في صدرك وصدورهم ، فيجرى الأمر على حسب ذلك من المحو والإثبات .
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
. يقال : قبلت الشيء منه : إذا أخذته منه ، وجعلته مبدأ قبولك ، وقبلته عنه ، أي : عزلته وأبنته عنه . والتوبة : الرجوع عن القبيح بالندم ، والعزم ألا يعود ، ورد المظالم واجب غير شرط . قال ابن عباس : لما نزل .
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً
. . . . الآية . قال قوم في نفوسهم : ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده ، فأخبر جبريل النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلم أنهم قد اتهموه ، وأنزل :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً . .
الآية ، فقال القوم ؛ يا رسول اللّه ؛ فإنا نشهد أنك صادق . فنزل :
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ . . .
. ه . قال أبو هريرة ، قال النّبى صلّى اللّه عليه وسلم : « اللّه أفرح بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد ، ومن العقيم الوالد ، ومن الظمآن الوارد ، فمن تاب إلى اللّه توبة نصوحا أنسى اللّه حافظيه ، ولو كانت بقاع الأرض خطاياه وذنوبه » « 1 » . واختلف العلماء في حقيقة التوبة وشرائطها ، فقال جابر بن عبد اللّه : دخل أعرابي مسجد النّبى صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : اللهم إني أستعيذك وأتوب إليك ، سريعا ، وكبّر ، فلما فرغ من صلاته ، قال له علىّ : ما هذا ؟ إن سرعة الاستغفار باللسان توبة الكذابين ، وتوبتك تحتاج إلى توبة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، وما التوبة ؟ قال : اسم يقع على ستة معان : على الماضي من الذنوب النّدامة ، ولتضييع الفرائض الإعادة ، ورد المظالم ، وإذابة النّفس في الطاعة ، كما أذبتها في المعصية ، وإذاقة النّفس مرارة الطاعة ، كما أذقتها حلاوة المعصية ، والبكاء بدل كلّ ضحك ضحكته . وعن السدى : هي صدق العزيمة على ترك الذنوب ، والإنابة بالقلب إلى علّام الغيوب . وعن سهل : هي الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة . وعن الجنيد : هي الإعراض عما سوى اللّه . قال اللّه تعالى :
وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ
وهو ما دون الشرك ، يعفو لمن يشاء بلا توبة ،
وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
كائنا ما كان ، من خير أو شر ، حسبما تقتضيه مشيئته .
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أي : يستجيب لهم فحذف اللام كما في قوله :
وَإِذا كالُوهُمْ
« 2 » أي : يجيب دعوتهم ، ويثيبهم على طاعتهم ، أو : يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها . قيل لإبراهيم
هامش
( 1 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ ، وفي الصحيح : « اللّه أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ، ومعه راحلته ، عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه فنام نومة ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته ، حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء اللّه ، قال : أرجع إلى مكاني ، فرجع فنام نومة ، ثم رفع رأسه ، فإذا راحلته عنده ، أخرجه البخاري في ( الدعوات ، باب التوبة ، ح 6308 ) ومسلم في ( التوبة ، باب في الحض على التوبة ، ح 2744 ) من حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه . ( 2 ) من الآية 3 من سورة المطففين .