تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
؛ خالقهما ومظهرهما ، وهو خبر ثان لذلكم ، أو عن مضمر ،
جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
؛ من جنسكم
أَزْواجاً
؛ نساء
وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً
أي : وجعل للأنعام من جنسها أزواجا ، أو : خلق لكم من الأنعام أصنافا ؛ ذكورا وإناثا ،
يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ
أي : يكثّركم فيما ذكر من التدبير البديع ، من : الذرء ، وهو البث ، فجعل النّاس والأنعام أزواجا ، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل ، واختير لفظ « فيه » على « به » ؛ لأنه جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير . والضمير في « يذرؤكم » يرجع إلى المخاطبين والأنعام ، مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على غيرهم . وقال الهروي :
يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ
أي : يكّثركم بالتزويج ، كأنه قال : يذرؤكم به . ه . وقال ابن عطية : لفظة « ذرأ » تزيد على لفظة « خلق » معنى آخر ، ليس في خلق ، وهو توالى طبقاته على مرّ الزمان ، وقوله : « فيه » الضمير عائد على الجعل . وقال القتبى : الضمير للتزويج . ه .
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
أي : ليس مثله شئ [ في شأن ] « 1 » من الشؤون ، التي من جملتها هذا التدبير البديع . قيل : إن كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفى التماثل ؛ لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة . قال ابن عطية : الكاف مؤكدة للتشبيه ، فنفى التشبيه أوكد ما يكون ، وذلك أنك تقول : زيد كعمرو ، وزيد مثل عمر ، فإذا أردت المبالغة التامة قلت : زيد كمثل عمرو ، وجرت الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب ، وعل هذا المعنى شواهد كثيرة . ه . قال النّسفى : وقيل : المثل زائد ، والتقدير : ليس كهو شئ ، كقوله تعالى :
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ
« 2 » ، وهذا لأن المراد نفى المثليّة ، وإذا لم نجعل الكاف أو المثل زيادة كان إثبات المثل . ه . والجواب ما تقدم لابن عطية . وقيل : الآية جرت على طريق الكناية ، كقولهم : مثلك لا يبخل ، وغيرك لا يجود ، أي : أنت لا تبخل ؛ لأنه إذا نفى البخل عمن هو مثله كان نفيه عنه أولى . ثم قال تعالى :
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
؛ سميع لجميع المسموعات بلا آذان ، بصير بجميع المبصرات بلا أجفان . وذكرهما لئلا يتوهم أنه لا صفة له ، كما لا مثل له ، وقدّم تنزيهه عن المماثلة على وصفه بالسمع والبصر ليعلمنا أن سمعه وبصره ليس كسمعنا وبصرنا .
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفتين ليس في الأصول الخطية ، وأثبته من تفسير أبى السعود - رحمه اللّه . ( 2 ) الآية 137 من سورة البقرة .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 199 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان