تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
قلت : والظاهر أنه تفنن « 1 » ، وفرار من تكرار لفظ الوحي ؛ إذ الموحى به هو قوله :
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ
وهو الذي أوحى إلى نبينا - عليه الصلاة والسّلام . وقال أبو السعود : والتعبير عن ذلك عند نسبته صلّى اللّه عليه وسلم ب « الذي » لتفخيم شأنه من تلك الحيثية ، وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده من التوصية لمراعاة ما وقع [ في ] « 2 » الآيات المذكورة - يعنى في صدر السورة ، من قوله :
كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ . . .
وفي آخرها من قوله :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
، ولما في الإيحاء من التصريح برسالته - صلّى اللّه عليه وسلم - القامع لإنكار الكفرة . والالتفات إلى نون العظمة إظهارا لكمال الاعتناء بإيحائه ، وهو السر في تقديمه [ على ما قبله ] « 3 » مع تقدمه عليه زمانا . وتقديم وصية نوح - عليه السّلام - للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم دينا قديما - أي : فلا ينبغي إنكاره - وتوجيه الخطاب إليه - عليه الصلاة والسّلام - بطريق التلوين ؛ للتشريف ، والتنبيه على أنه تعالى شرع لهم على لسانه عليه الصلاة والسّلام . ه . ثم فسّر ما وصاهم به فقال :
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ
أي : دين الإسلام ، الذي هو توحيد اللّه تعالى ، وطاعته ، والإيمان بكتبه ورسله ، وبيوم الجزاء ، وسائر أركان الإيمان . والمراد بإقامته : تعديل أركانه ، وحفظه من أن يقع فيه زيغ ، والمواظبة عليه ، والتشمير في القيام به . وموضع « أن أقيموا » إما : نصب ، بدل من مفعول « شرع » ، أو : رفع ، خبر جواب عن سؤال مقدر ، كأن قائلا قال : وما ذاك ؟ فقال : هو إقامة الدين .
وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
؛ ولا تختلفوا في الدين ، فالجماعة رحمة ، والفرقة عذاب ، والمراد : الاختلاف في الأصول ، دون الفروع المختلفة حسب اختلاف الأمم باختلاف الأعصار ، كما ينطق به قوله تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
« 4 » .
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ
أي : عظم وشقّ عليهم
ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
من التوحيد ، ورفض عبادة الأصنام ، الذي هو إقامة الدين ،
اللَّهُ يَجْتَبِي
أي : يجلب ويجمع
إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ
بالتوفيق والتسديد ،
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
؛ يقبل على طاعته . فالاجتباء يرجع إلى تصديق القلب ، والإنابة إلى توفيق الطاعة في الظاهر .
هامش
( 1 ) كتب على هامش النّسخة الأم ما يلي : لا يا أستاذ ما هو بتفنن ، بل هو مقصود لحكمة ، ولو كان للتفنن لما كرر الوصية مرتين ، وخص لفظ الوحي بسيد البشر صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا بدل « وصينا » الثانية بلفظ الأمر ، كأمرنا وأوجبنا وفرضنا ونحو ذلك . فالحق أنه عبّر في حق الأنبياء بالوصية دون الوحي ؛ للإشارة إلى أنهم مجرد نواب عنه صلّى اللّه عليه وسلم . ه . ( 2 ) في الأصول [ من ] . ( 3 ) في تفسير أبى السعود [ على ما بعده ] . ( 4 ) في الآية 48 من سورة المائدة .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 202 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان