تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
يقول الحق جل جلاله :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ
؛ شركاء ، يوالونهم بالعبادة والمحبة
اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ
: رقيب على أحوالهم وأعمالهم ، فيجازيهم بها ،
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ
؛ بموكّل عليهم ، تجبرهم على الإيمان ، ثم نسخ بالجهاد . أو : ما أنت بموكول إليك أمرهم ، وإنما وظيفتك الإنذار بما أوحينا إليك .
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا
أي : ومثل ذلك الإيحاء البديع الواضح أوحينا إليك قرآنا عربيا ، لا لبس فيه عليك ولا على قومك ،
لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى
أي : أهلها ، وهي مكة ؛ لأن الأرض دحيت من تحتها ، أو : لأنها أشرف البقع ،
وَ
تنذر
مَنْ حَوْلَها
من العرب أو من سائر البلاد . قال القشيري : وجميع العالم محدق بالكعبة ؛ لأنها سرّة الأرض . ه .
وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ
؛ يوم القيامة ؛ لأنه تجمع فيه الخلائق ، وفيه تجمع الأرواح والأشباح . وحذف المفعول الثاني من « تنذر » الأول للتهويل ، أي : لتنذر النّاس أمرا فظيعا تضيق عنه العبارة ،
لا رَيْبَ فِيهِ
؛ لا شك في وقوع ذلك اليوم ،
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
أي : بعد جمعهم في الموقف يفترقون ، فريق يصرف إلى الجنة ، وفريق إلى السعير بعد الحساب ، والتقدير : فريق منهم في الجنة . والجملة : حال ، أي : وتنذر يوم الجمع متفرقين .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ
في الدنيا
أُمَّةً واحِدَةً
إما مهتدين كلّهم ، أو ضالين ،
وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ
أي : ويدخل من يشاء في عذابه ، يدلّ عليه ما بعده ، ومن ضرورة اختلاف الرّحمة والعذاب : اختلاف الداخلين فيهما ، فلم يشأ جعل الكلّ أمة واحدة ، بل جعلهم فريقين ، فيسّر كلّا لمن خلق له .
وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
؛ والكافرون ما لهم من شافع ولا دافع . قال أبو السعود : والذي يقتضيه سياق النّظم أن يراد بقوله :
أُمَّةً واحِدَةً
الاتحاد في الكفر ، كما في قوله تعالى :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً . . .
الآية « 1 » ، على أحد الوجهين ، بأن يراد بهم الذين هم في فترة إدريس ، أو فترة نوح . ولو شاء لجعلهم أمة واحدة متفقة على الكفر ، بأن لا يرسل إليهم رسولا لينذرهم ما ذكر من يوم الجمع ، وما فيه من ألوان الأهوال ، فيبقوا على ما هم عليه من الكفر ، ولكن يدخل من يشاء في رحمته إن شاء ذلك ، فيرسل إلى الكلّ من ينذرهم ، فيتأثر بعضهم بالإنذار ؛ فيعرفون الحق ؛ فيوفقهم اللّه تعالى للإيمان والطاعة ،
هامش
( 1 ) الآية 213 من سورة البقرة .