تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
يقول الحق جل جلاله :
وَقالَ فِرْعَوْنُ
، تمويها على قومه ، وجهلا منه :
يا هامانُ
وزيره
ابْنِ لِي صَرْحاً
أي : قصرا عاليا ، وقيل : الصرح : البناء الظاهر الذي لا يخفى على النّاظر وإن بعد منه . يقال : صرح الشيء : إذا ظهر .
لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ
أي : الطرق . ثم أبدل منها تفخيما لشأنها ، وإظهارا أنه يقصد أمرا عظيما :
أَسْبابَ السَّماواتِ
أي : طرقها وأبوابها ، وما يؤدّى إليها ، وكلّ ما أدّاك إلى الشيء فهو سبب إليه ،
فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى
أي : فأنظر إليه وأتحقق وجوده ، قرأه حفص بالنصب ، جواب التمني ، والباقي بالرفع ، عطفا على « أبلغ » . قال البيضاوي : ولعله أراد أن يبنى له صرحا في موضع عال ، يرصد منه أحوال الكواكب ، التي هي أسباب سماوية ، تدلّ على الحوادث الأرضية ، فيرى هل فيها ما يدّل على إرسال اللّه تعالى إياه ، أو أن يرى فساد قوله عليه السّلام ؛ فإنّ إخباره عن إله السماء يتوقف على اطلاعه ووصوله إليه ، وذلك لا يتأتى إلا بالصعود للسماء ، وهو مما لا يقوى عليه الإنسان ، وما ذلك إلا لجهله باللّه وكيفية استنبائه . ه . قلت : والظاهر أنه كان مجسّما ، يعتقد أن اللّه في السماء ، وأن اطلاعه إليه إنما كان ليرى هل ثم إله ، وإن قوله :
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً
أي : في ادّعاء إله غيرى ، بدليل قوله :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
« 1 » مع أنّ هذا كله إنما هو تمويه منه على قومه ، وجرأة على اللّه ، لا حقيقة له . قال تعالى :
وَكَذلِكَ
أي : ومثل ذلك التزيين المفرط ، والصدّ البليغ ،
زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ
فانهمك فيه انهماكا لا يرعوى عنه بحال ،
وَصُدَّ
« 2 »
عَنِ السَّبِيلِ
أي : سبيل الرّشاد ، وقرأ الكوفيون ويعقوب « وصدّ » بالبناء للمفعول ، فالفاعل في الحقيقة فيهما هو اللّه ، بتوسط الشيطان في عالم الحكمة ، ومن قرأ « صدّ » بالبناء للفاعل ، فالفاعل : فرعون ، إما صدّ النّاس عن طريق الحق بأمثال هذه التمويهات ، أو : اتصف بالصدّ .
وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ
أي : خسران وهلاك . الإشارة : ما ظهر على فرعون هو من طغيان النّفس وعتوها ، فإنّ النّفس إذا اتصلت بها العوافي ، وساعدتها أقدار الجمال في الظاهر ، ادّعت الرّبوبية ، فإنّ فرعون قيل : إنه عاش أربعمائة سنة ، لم يتوجع فيها قط ، فادعى الربوبية ، ولذا قال بعض الصوفية : في النّفس خاصية ما ظهرت إلا على فرعون ، حين قال : أنا ربكم الأعلى ، فكان
هامش
( 1 ) من الآية 38 من سورة القصص . ( 2 ) قرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي : ( وصدّ ) بضم الصاد . وقرأ الباقون بالفتح . انظر الحجة للفارسي ( 6 / 112 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 134 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان