تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
تجر الحفظ والرّعاية إلى حال الكبر ، وأما عذاب الآخرة فمعلوم ، ثم يحضّ على التوبة والإقلاع ، فإنّ التائب الناصح ملحق بالطائع ، فلا يلحقه شئ من ذلك . وباللّه التوفيق . ثم وبّخهم بما تعودوا من تكذيب الرّسل ، فقال :

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 34 إلى 35 ]

وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ( 34 ) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( 35 ) قلت : ( الذين يجادلون ) : بدل من ( من هو ) ، وإنما جمع ؛ لأنه لم يرد مسرفا واحدا ، بل كلّ مسرف . يقول الحق جل جلاله ، حاكيا لقول المؤمن :
وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ
، هو ابن يعقوب ، وقيل : يوسف بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب ، أقام فيهم نبيا عشرين سنة « 1 » ، وقال وهب : فرعون موسى هو فرعون يوسف ، عمّر إلى زمنه ، وقيل : هو فرعون آخر ؛ لأن كلّ من ملك مصر يقال له فرعون ، وهذا أظهر . وقول الجلال المحلى : هو يوسف بن يعقوب في قول ، عمّر إلى زمنه ، سهو . وإنما قيل ذلك في فرعون لا في يوسف . قلت : والتحقيق : أنه وبّخهم بما فعل أسلافهم ؛ لأنهم على منوالهم ، راضون بما فعلوا ، فالمراد بيوسف ، هو الصّدّيق ، فما زالوا مترددين في رسالته حتى مات ، واستمر خلفهم على ذلك إلى زمن موسى ، وقوله تعالى :
مِنْ قَبْلُ
أي : من قبل موسى ، أي : جاءكم يوسف
بِالْبَيِّناتِ
؛ بالمعجزات الواضحة ، كتعبير الرّؤيا ، ودلائل التوحيد ، كقوله :
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ . . .
« 2 » الآية ، وملكه أموالهم ورقابهم في زمن المسغبة ، وغير ذلك مما دلّ على رسالته .
فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ
من الدين
حَتَّى إِذا هَلَكَ
بالموت
قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا
، حكما ، من عند أنفسكم ، من غير برهان ، أي : أقمتم على كفركم ، وظننتم أن لا يجدّد عليكم إيجاب الحجة .
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي ( 7 / 5928 ) عن ابن عباس رضي اللّه عنه . وجاء في البحر المحيط ( 7 / 445 ) والنّسفى ( 3 / 210 ) « إبراهيم » بدلا من « إفرائيم » . ( 2 ) من الآية 39 من سورة يوسف .