تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
أي : الغالب الذي لا يمتنع عليه مقدور ، وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئا خاليا عن حكمة ، وموجب حكمتك أن تفي بوعدك .
وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ
أي : جزاء السيئات ، وهو العذاب ، أو : المعاصي في الدنيا ،
وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ
أي : ومن تقه عقاب السيئات يومئذ فقد رحمته ، أو : ومن تقه المعاصي في الدنيا فقد رحمته في الآخرة ، وكأنهم طلبوا لهم السبب بعد ما طلبوا المسبّب ،
وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
؛ الإشارة إلى الرّحمة المفهومة من رحمته ، أو : إليها وإلى الوقاية ، أي : ذلك التوقي هو الفوز العظيم الذي لا مطمع وراءه لطامع . الإشارة : العرش وحملته ، والحافّون به محمولون بلطائف القدرة ؛ لا حاملون في الحقيقة ، بل لا وجود لهم مع الحق ، وإنما هم شعاع من أنوار الذات الأقدس وتجلّ من تجلياتها . وقوله تعالى :
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
، قال الورتجبي : يسبّحون اللّه بما يجدونه من القدس والتنزيه ، حمدا لأفضاله ، وبأنه منزه عن النّظير والشبيه ، ويؤمنون به في كل لحظة ، بما يرون منه من كشوف صفات الأوليات ، وأنوار حقائق الذات ، التي تطمس في كل لمحة مسالك رسوم العقليات ، وهم يقرون كل لحظة بجهلهم عن كنه معرفة وجوده ، ثم بيّن أنهم أهل الرّأفة ، والرّحمة ، والشفقة على أوليائه ، لأنهم إخوانهم في نسب المعرفة والمحبة . انظر تمامه . والحاصل : أنهم مع تجلى أنوار ذاته ، قاصرون عن كنهه ، وحقيقة ذاته ، وغايتهم الإيمان به . قاله في الحاشية . قلت : والتحقيق أن المقربين منهم تحصل لهم المعرفة العيانية ، والرّؤية للذات في مظاهر التجليات ، كما تحصل لخواص الأولياء في الدنيا ، ولكن معرفة الآدمي أكمل ؛ لاعتدال حقيقته وشريعته ، لمّا اعتدل فيه الضدان ، وأما معرفة الملائكة فتكون مائلة لجهة الشكر والهيمان ؛ للطافة أجسامهم ، فمثلهم كالمرآة بلا طلاء خلفها ، وأمّا ما ورد في بعض الأخبار : أن جبريل لم ير اللّه قط قبل يوم القيامة ، فلا يصح ؛ إلا أن يحمل على أنه لم يره من غير مظهر ، وهذا لا يمكن له ولا لغيره ، وأما رؤيتهم اللّه يوم القيامة فهم كسائر المؤمنين ، يرونه على قدر تفاوتهم في المراتب والقرب . قال إمام أهل السنة ، أبو الحسن الأشعري رضي اللّه عنه ، في كتاب « الإبانة في أصول الديانة » : أفضل اللذات لأهل الجنة رؤية اللّه تعالى ، ثم رؤية نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلذلك لم يحرم اللّه أنبياءه المرسلين ، وملائكته المقربين ، وجماعة المؤمنين ، والصدّيقين النّظر إلى وجهه تعالى . ه . وفي الآية حث على الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب ، والاستغفار لهم ، وهو من شأن الأبدال ، أهل الرّحمة لعباد اللّه ، اقتداء بالملأ الأعلى .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 116 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان