تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
الحق غير محدودة ، وقلب العارف قد تجلت فيه عظمة الحق ، فوسعها ، بدليل الحديث : « لن تسعني أرضى ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » ، أي : الكامل . ثم أخبر تعالى عن حملة العرش ومن حوله بقوله :
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
أي : ينزهونه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل ، ملتبسين بحمده على نعمائه التي لا تتناهى ،
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ
إيمانا يناسب حالهم . وفائدة ذكره مع علمنا بأن حملة العرش ومن حوله الذين يسبّحون بحمد ربهم مؤمنون ؛ إظهار لشرف الإيمان وفضيلته ، وإبراز لشرف أهله ، والترغيب فيه ، كما وصف الأنبياء في بعض المواضع بالصلاح . وفيه تنبيه على أن الملائكة لم يحصل لهم العيان ، وإنما وصفوا بالإيمان بالغيب ، وهم طبقات : منهم العارفون أهل العيان ، ومنهم أهل الإيمان . ثم قال تعالى :
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
أي : ويستغفرون لمن شاركهم في حالهم من الإيمان ، وفيه دليل على أن الإشراك يجب أن يكون أدعى شئ إلى النّصيحة والشفقة ، وإن تباعدت الأماكن ، وفي نظم استغفارهم لهم في سلك وظائفهم المفروضة عليهم ، من تسبيحهم ، وتحميدهم ، وإيمانهم ، إيذان بكمال اعتنائهم به ، وإشعار بوقوعه عند اللّه - تعالى - موقع القبول .
رَبَّنا
أي : يقولون : ربنا ، إمّا بيان لاستغفارهم ، أو حال ،
وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً
أي : وسعت رحمتك وعلمك كل شئ ، فأزيل الكلام عن أصله ، بأن أسند الفعل إلى صاحب الرّحمة والعلم ، ونصبا على التمييز ، مبالغة في وصفه - تعالى - بالرحمة والعلم ، وفي عمومهما ، وتقديم الرّحمة ؛ لأنها السابقة والمقصودة هنا ،
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا
أي : للذين علمت منهم التوبة ، ليناسب ذكر الرّحمة ،
وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ
أي : طريق الهدى التي دعوت إليها . والفاء لترتيب الدعاء على ما قبلها من سعة الرّحمة والعلم ،
وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
أي : احفظهم منه ، وهو تصريح بعد إشعار ؛ للتأكيد .
رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ
إياها ،
وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ
أي : صلاحا مصححا لدخول الجنة في الجملة ، وإن كانوا دون صلاح أصولهم ، و ( من ) : عطف على ضمير ( وعدتهم ) ، أي : وأدخل معهم هؤلاء ؛ ليتم سرورهم ، ويتضاعف ابتهاجهم . قال سعيد بن جبير : ( يدخل الرّجل الجنة ، فيقول : أين أبى ؟ أين أمي ؟ أين ولدي ؟ أين زوجتي ؟ فيقال له : لم يعملوا مثل عملك ، فيقول : كنت أعمل لي ولهم ، فيقال : أدخلوهم الجنة ) « 2 » . وسبق الوعد بالإدخال والإلحاق لا يستدعى حصول الموعود بلا توسط شفاعة واستغفار ، وعليه بنى قول من قال : فائدة الاستغفار للمنيب الكرامة والثواب . انظر أبا السعود .
هامش
( 1 ) ذكره الغزالي في الإحياء ( 3 / 16 ) ، قال العراقي في المغني : « ليس له أصل » وقال القاري في الأسرار المرفوعة ( ص 310 ) : « ليس له إسناد معرووف عن النّبى صلّى اللّه عليه وسلم » . والحديث وجدته بنحوه عند الديلمي في الفردوس ( 3 / 174 ح 4466 ) من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه لفظه : « لا يسعني شئ ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين الوادع إذا ألبسته لبسة أحبائي . . . » الحديث . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 24 / 45 ) .