ثم برهن على علو شأنه بقوله :
[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 13 إلى 17 ]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 14 ) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 ) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 16 ) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 17 )
يقول الحق جل جلاله :
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ
الدالة على كبريائه ، وكمال قدرته ، من الرّياح ، والسحاب ، والرّعد ، والبرق ، والصواعق ، وغير ذلك ، لتستدلوا على ذلك ، وتعملوا بموجبها ، فتوحدوه تعالى ، وتخصوه بالعبادة ،
وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً
؛ مطرا ؛ لأنه سبب الرّزق . وأفرده بالذكر مع كونه من جملة الآيات ؛ لتفرده بكونه من آثار رحمته ، وجلائل نعمه الموجبة للشكر ؛ إذ به قوام الحيوانات بأسرها . وصيغة المضارع في الفعلين ؛ للدلالة على تجدد الإراءة والتنزيل ، واستمرارهما .
وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ
أي : وما يتعظ ويعتبر بهذه الآيات الباهرة ، ويعمل بمقتضاها إلا من يتوب ويرجع عن غيه إلى اللّه تعالى ، فيتفكر فيما أودعه في تضاعيف مصنوعاته من شواهد قدرته الكاملة ، ونعمه الشاملة . وأما المعاند فلا يتعظ ولا يعتبر ؛ لسفح الران على قلبه .
وإذا كان الأمر كما ذكرنا ، من اختصاص التذكير بمن ينيب ،
فَادْعُوا اللَّهَ
، أو : تقول : لمّا ذكر أحوال المشركين ، وأراد أن يشفع بأضدادهم ، جعل قوله :
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ . .
إلخ ، توطئة لقوله :
فَادْعُوا اللَّهَ
أي :
اعبدوه
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
من الشرك الجلى والخفي ، بموجب إنابتكم إليه تعالى وإيمانكم ،
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
؛ وإن غاظ ذلك أعداءكم ، ممن لم يتب مثلكم ، فإن اللّه يكرم مثواكم ، ويرفع درجاتكم ، فإنه
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ
أي : رافع درجات أوليائه المؤمنين ، الداعين إليه ، المخلصين في الدنيا والآخرة ، في الدنيا بالعز والنّصر ، وفي الآخرة بالقرب والاختصاص ، أو : رفيع السماوات التي هي مصاعد الملائكة ، ومهابطها ، للسفارة بين