تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
قال بعضهم : إنما حجب اللّه عنها تلك العلوم ؛ غيرة أن تكشف سر الربوبية ؛ فيظهر لغير أهله ، قال القشيري :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ
أي : أخلص قصدك إلى اللّه ، واحفظ عهدك معه ، وأفرد عملك ، في سكناتك وحركاتك وجميع تصرفاتك ، له .
حَنِيفاً
أي : مستقيما في دينه ، مائلا عن غيره ، معرضا عن سواه . والزم ( فطرة اللّه التي فطر الناس عليها ) ، ثم ذكر ما تقدم لنا . ثم قال :
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ
؛ راجعين إلى اللّه بالكلية ، من غير أن تبقى بقية ، متصفين بوفائه ، منحرفين بكل وجه عن خلافه ، متّقين صغير الإثم وكبيره ، وقليله وكثيره ، مقيمين الصلاة بأركانها وسننها وآدابها ؛ جهرا ، متحققين بمرعاة فضلها ؛ سرا . وقال في قوله تعالى :
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ
: أقاموا في دنياهم في دار الغفلة ، وعناد الجهل والفترة ، فركنوا إلى ظنونهم ، واستوطنوا مركب أوهامهم ، وثملوا بسكر غيّهم ، وظنوا أنهم على شئ ، فإذا انكشف ضباب وقتهم ، وانقشع سحاب هجرهم ، انقلب فرحهم ترحا ، واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة ، ولم يعرّجوا إلا في أوطان الجهالة . ه . ثم ذكر حال أهل الغفلة ، فقال :

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 33 إلى 36 ]

وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 33 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 34 ) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ( 35 ) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ ( 36 ) قلت : ( إذا هم ) : جواب ( إن ) . و ( إذا ) ؛ الفجائية ، تخلّف الفاء ، لتآخيهما في التعقيب . يقول الحق جل جلاله :
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ
؛ كمرض ، وفقر ، وشدة ، أو غير ذلك ،
دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ
؛ راجعين
إِلَيْهِ
من دعاء غيره .
ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً
؛ خلاصا من الشدة
إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
شركا جليا أو خفيا ، أي : فاجأ بعضهم الإشراك بربهم الذي عافاهم ،
لِيَكْفُرُوا
؛ إما : لام كي ، أو : لام الأمر ؛ للوعيد والتهديد ، أي : أشركوا كي يكفروا
بِما آتَيْناهُمْ
من النعم ، التي من جملتها : نجاتهم وخلاصهم من كل شدة ،
فَتَمَتَّعُوا
بكفركم قليلا ؛ أمر تهديد ،
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
وبال تمتعكم .