تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
الخلق على الاعتراف بربوبيته ، ومن لازم ذلك توحيده ، وإن لم يوفّقوا لذلك كلّهم ، بل وحّده بعضهم ، وأشرك بعضهم ، مع اتفاق الكل على ربوبيته ؛ ضرورة أن الكلّ يشعر بقاهر له مدبر . قال في الحاشية : والحاصل : أنه تعالى فطر الكل في ابتداء النشأة ، على الاعتراف بربوبيته ، ولكن كتب منهم السعداء موحدين ، وكتب الأشقياء مشركين ، مع اعتراف الجميع بربوبيته ، ولم يوفق الأشقياء لكون الربوبية تستلزم الوحدانية ، فأشركوا ، فناقضوا لازم قولهم . ه . وهذا معنى قوله تعالى :
الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
، أي : خلقهم في أصل نشأتهم عليها ،
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
أي : ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير . وقال الزجاج : معناه : لا تبديل لدين اللّه ، ويدل عليه قوله :
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
أي : المستقيم ،
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
حقيقة ذلك . حال كونكم .
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ
أي : راجعين إليه ، فهو حال من ضمير : الزموا . وقوله :
وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
: عطف على الزموا . أو : على ( فأقم ) ؛ لأن الأمر له - عليه الصلاة والسلام - أمر لأمته ، فكأنه قال : فأقيموا وجوهكم ، منيبين إليه ،
وَاتَّقُوهُ
أي : خافوا عقوبته ،
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
أي : أتقنوها وأدّوها في وقتها ،
وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
؛ ممن يشرك به غيره في العبادة .
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ
: بدل من « المشركين » ؛ بإعادة الجار ، أي : لا تكونوا من الذين جعلوا دينهم أديانا مختلفة باختلاف ما يعبدونه ؛ لاختلاف أهوائهم . وقرأ الأخوان : ( فارقوا ) أي : تركوا دين الإسلام الذي أمروا به ،
وَكانُوا شِيَعاً
أي : فرقا ، كل فرقة تشايع إمامها الذي أضلها ، أي : تشيعه ، وتقوى سواده ،
كُلُّ حِزْبٍ
منهم
بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
؛ مسرورون ، ظنا بأنه الحق ، ثم يبدو لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون . والعياذ باللّه . الإشارة : الفطرة التي فطر اللّه الأرواح عليها هي معرفة العيان ؛ لأنها كلها كانت عارفة باللّه ؛ لصفائها ولطافتها ، فما عاقها عن تلك المعرفة إلا كثافة الأبدان ، والاشتغال بحظوظها وهواها ، حتى نسيت تلك المعرفة . وفي ذلك يقول ابن البنا في مباحثه « 1 » :
ولم تزل كلّ نفوس الأحيا * لامة درّاكة للأشيا
وإنّما تعوقها الأبدان * والأنفس النّزّع والشّيطان
فكل من أذاقهم جهاده * أظهر للقاعد خرق العادة
هامش
( 1 ) انظر الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية ص 111 .